قبل أشهر وصلتني دعوة إلى مهرجان أدبي مهم في دولة أوروبية، وعندما وصلت مقصدي قابلت الكتاب المشاركين، والغالبية منهم من البلد المضيف، وذلك أمر طبيعي، مع آخرين أجانب من بينهم أنا، وأول شيء شد فضولي أن كتاب البلد المضيف يعرفون بعضهم بعضا حق المعرفة، على الرغم من تباعد المدن التي يقيمون فيها، كانوا يقضون وقت الفراغ، عقب الندوات، في مرح وضحك مثل أطفال، يرقصون ويتقاسمون النكت السمجة من غير حرج، بما يوحي بأنهم في علاقة وطيدة، لا يعكرها قلق ولا غيرة. وزاد فضولي عندما أخبرني أحدهم أنهم يلتقون تقريبا مرة كل شهر، لأن بلدهم يعنى بالكاتب والكتاب، وينظم لقاءات ومهرجانات تقربهم من القراء ومن الناس العاديين، ومن المنطقي أن تتمتن الصداقة في ما بينهم.
ثم تذكرت بلدي الجزائر، حيث الكتّاب لا يلتقون عدا قليلا، يتباعدون أكثر مما يتقاربون، وعندما نجهل شخصا فمن الهين أن نظن سوءا به، لذلك صرت أسمع في السنين الأخيرة مشاحنات بين الكتّاب، بدل أن أسمع عن صداقات، كل كاتب يدعي أن الآخر يضمر له شرا، وهذه محصلة جو عام يفتقر إلى اللقاءات التي تجعل من الأدب مغامرة إنسانية، لأن الظروف السائدة وهشاشة السياسة الثقافية تجعل من بلد في حجم الجزائر يعيش فيه كتّاب لا يعرفون بعضهم. كل واحد منهم يعيش في زاوية تعزله عن الآخرين، لا يتحادثون سوى من خلف شاشة السوشيال ميديا، أي أنها صداقات افتراضية لا فعلية.
وقد سعيت طوال سنين، في هذه الزاوية، أن أقدم أعمال كتاب جزائريين من الشباب وآخرين من المكرسين، في الغالب إنهم كتاب لا أعرفهم شخصيا ولم يجمعني بهم لقاء، لكن صلتي بهم هي الكتاب. ويحصل كذلك أن أطالع كتابا مهما من الجزائر ثم يتعذر عليّ أن أكتب عنه بسبب تسارع الأحداث، لذلك وددتُ أن أذكر بعض الأسماء التي قرأت لها، في العامين الماضيين، أو عدت للقراءة لها في الآونة الأخيرة، من غير أن يتسنى لي أن أكتب عنها بشكل مستفيض، على غرار عبد الباسط باني، الذي يجعل من الواقع عالما عجائبيا، أو فارس كبيش الذي يروي حكايات تراوح بين الدهشة والجمال، هاجر قويدري التي تحول التاريخ نصا حيا، الخير شوار الذي يكتب عن الأقاصي كذلك يفعل علاوة حاجي، عبد القادر ضيف الله وغزلان تواتي، لم أغفل عن قصصهما، سارة النمس التي تبحث وتصبر قبل أن تكتب…
سمير قسيمي الذي ينفذ إلى الأسئلة غير المرئية في الرواية، الشيخ شعثان أعجبني عمله «أفلاطون الشعبي»، آمنة حزمون التي تروي الحد الفاصل بين العقل والجنون، فضيلة ملهاق أو إسماعيل محمد الذي يكتب في قلق أهل الجنوب، عبد اللطيف ولد عبد الله، أو الصديق حاج أحمد، أما محمد الأمين بن الربيع وجلال حيدر فإنهما من الأسماء الناصعة في هذا الجيل الشاب، عبد الله كروم ورفيق طيبي، أسماء تسير على خطى الأسلاف، مثل زهور ونيسي، ولا يزال طيف أحلام مستغانمي يطوف في الأرجاء، وكذلك فضيلة الفاروق في حرصها على شؤون المرأة، أصغي كذلك إلى صوت الشاعر عادل صياد، الذي يقود قارب القصيدة، زهرة كشاوي وعبد الوهاب عيساوي حرصت أن أقرأ لهما، وكذلك محمد الأمين سعيدي، حميد عبد القادر، أحمد طيباوي، فائزة مصطفى، محمد جعفر، أما بومدين بلكبير فلم يتسن لي أن أطالع روايته الأخيرة. هشام بوشامة لا يغفل عن صراعات الإنسان بين جنة وجحيم، ولا يزال هناك كتاب يحلمون بجزائر تشبه مكتبة، على غرار أمين الزاوي أو احميدة عياشي، وربيعة جلطي، لا يفلت منها صدق الكلمة، أبو بكر زمال قرأت له، أمل بوشارب أعجبتني روايتها «سكرات نجمة» وكذلك ما كتبته خولة حواسنية، أحمد عبد الكريم الذي يراوح بين الفن والشعر، أسماء الجزائري التي تؤمن بالعزلة في أثناء تدوين القصيدة، كذلك تفعل عنفوان فؤاد، أو رشدي رضوان الذي لم تشغله الصحافة عن الأدب، محمد بن جلول وآمال رقايق من الشعراء الذين لا نمل من مطالعة أعمالهم، وكذلك الحال مع الشاعرين خالد بن صالح ولميس سعيدي، صالح بن باديس يقول إنه بصدد رواية وأنتظرها، قرأت لآمال بشيري، زرياب بوكفة وسامية بن دريس، الطاهر حليسي، خيري بلخير ومحمد ساري، أسماء يليق أن نقرأ لها بتمعن، كذلك الحال مع نجم الدين سيدي عثمان، بينما رفيق جلول قرأت له في أثناء سفر ولا بد من عودة، لم تفتني قصائد لسليمان جوادي وعاشور فني، مراد بوكرزازة الذي يكتب بروح قسنطينة، عبد الله الهامل وحكيم ميلود، بين الشعر والترجمة، إسماعيل يبرير وعبد الرزاق بوكبة…
بالإضافة إلى بشير مفتي الذي لم يتخل عن مهنة القراءة، ولا بد للكتاب أن يرافقهم نقاد على غرار آمنة بلعلى، لونيس بن علي، فريدة مولى، بهاء بن نوار، جلال الدين سماعن، وسيلة سناني أو عبد القادر رابحي الذي يناهض من أجل قصيدة جديدة، سليم بوفنداسة لا يزال يشرع كراس الثقافة أمام الأجيال الجديدة، عبد الكريم قادري بعينه السينمائية، محمد شوقي الزين ومحمد بكاي قرأت لهما ما جاء في أبحاثهما ودراساتهما الفكرية، العربي رمضان كتب مرة وننتظر أن يعود، فيصل الأحمر الذي يدمج الخيال العلمي في نصوص جديدة، مستفيدا من تجارب السابقين، وهانية كذلك قرأت لها عن نساء أفغانستان وهي تمسك الطريق بيديها، عمارة لخوص لا يزال يكتب في سكينة دون إسراف، كذلك يفعل عبد الوهاب بن منصور ومحمد فتيلينه، ولا أدري إن ذكرت الأسماء كلها، التي قرأت لها أو أعدت القراءة لها، في العامين الماضيين، ومن غاب منها فسأحاول الوصول إلى كتاباته، بل إن القائمة ستطول في حال ذكرت كذلك كتاب اللغة الفرنسية، ويحصل في مرات أن أسمع عن كتاب من غير أن أظفر بنسخة منه، لأن المكتبات في تناقص وما أزال أتحين فرصة فأقرأ رواية من غرداية أو تمنراست، لأن أدباء الصحراء في ندرة والناشرون في مأزق، يترقبون معرض الكتاب مرة كل عام، وسواه يعلمون أن الكتاب تذروه الريح، هذه الأسماء وغيرها هي رأسمال البلد، هي الثروة الرمزية التي تلتمس طريقها صوب النور، إنهم حراس الذاكرة كذلك ولم يتخلف أي كاتب في التضامن، أو بذل جهد إزاء محنة الحرائق التي اندلعت قبل أيام.
إن الكاتب الجزائري الذي يتعرض على الدوام إلى سوء فهم لا يغض الطرف عن مأساة الإنسان من حوله وعن إسداء العون. ونتعلم من كتب التاريخ أن الأمم يعلو شأنها، أو يقل حسب احترامها لمثقفيها، وبدل أن يظل الكاتب الجزائري في عزلة، يقاوم مشقة الحياة وحيدا، لا يعرف زميله وبالتالي يحفر صورة سيئة عنه، فمن اللائق أن نعيد النظر في منظومة العمل، أن يتشارك الكتاب في لقاءات وحوارات، أن يفكروا بصوت عالٍ بدل الاختباء في الواتساب أو المسنجر، بما يفضي إلى أفكار خلاقة من شأنها أن تحرك قارب الأدب الثمل، والذي نمتطيه جميعا.

تعليقات الزوار
لا تعليقات