تثير الحصيلة البشرية للحرائق العنيفة التي اجتاحت مناطق واسعة من شمال وشرق الجزائر تساؤلات متزايدة، بعدما استقرت الأرقام الرسمية عند 12 وفاة، في وقت ظهرت فيه معطيات محلية لا تنسجم بالكامل مع التوزيع الذي أعلنته الحكومة، مقابل أرقام أكبر بكثير تطرحها مصادر معارضة، من دون أن يكون ممكنا، حتى الآن، التحقق المستقل من صحتها كاملة.
وكان وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود قد أعلن أن الحرائق خلفت 12 قتيلا، موزعين على 5 وفيات في جيجل و4 في بجاية و3 في تيزي وزو، إضافة إلى 54 مصابا في بجاية، بينهم ستة في حالة خطرة، وأعادت وسائل الإعلام الجزائرية والدولية نشر هذه الحصيلة، التي وصفتها السلطات بأنها مؤقتة.
لكن أول سؤال بشأن اكتمال الرقم ظهر من داخل الصحافة الجزائرية نفسها، حيث نشرت صحيفة "الخبر" خبرا عن وفاة رجل يبلغ 80 عاما بعدما حاصرته النيران داخل منزله في مشتى البدسي ببلدية حمالة في ولاية ميلة، مشيرة إلى العثور على جثته متفحمة ونقلها إلى مستشفى الإخوة مغلاوي، فيما أصيبت زوجته ونقلت لتلقي العلاج.
والمفارقة أن ميلة لا تظهر إطلاقا ضمن الولايات الثلاث التي وزع عليها وزير الداخلية حصيلة الـ12 وفاة، وهو ما يطرح سؤالا مباشرا إن كانت وفاة الرجل في ميلة خارج التوقيت الذي اعتمدته الحصيلة الحكومية؟ أم لم تُدرج ضمن ضحايا موجة الحرائق نفسها؟ وحتى الآن لا يظهر في البيانات المنشورة تفسير واضح لهذه النقطة.
وتزداد علامات الاستفهام بالنظر إلى حجم الكارثة. فالحماية المدنية كانت قد أحصت، صباح 27 غشت، 193 حريقا للنباتات والغابات، جرى إخماد 147 منها فيما بقي 46 حريقا قيد التدخل في 13 ولاية، بينها جيجل وبجاية وسكيكدة والطارف وتيزي وزو وعنابة وقالمة وميلة، كما تحدثت الصحافة الجزائرية عن قرى حاصرتها النيران، وإجلاء عشرات العائلات وإغلاق محاور طرقية رئيسية.
وفي المقابل، ذهب الإعلامي الجزائري المعارض عبدو سمار إلى أبعد من ذلك بكثير، معلنا أن فريقه ومصادره المحلية تمكنوا، في ولاية جيجل وحدها، من جمع معلومات حول ما بين 54 و57 هوية لأشخاص قال إنهم توفوا جراء الحرائق، مقابل خمسة قتلى فقط في الرقم الحكومي.
كما نشرت منصة Tamurt القبائلية أرقاما غير رسمية تحدثت عن أكثر من 5 آلاف مصاب و14 ألف أسرة منكوبة، بعدما كانت قد تحدثت في اليوم السابق عن أكثر من ألفي مصاب، ووثقت المنصة نفسها بشكل محدد وفاة شابة تبلغ 22 عاما وطفل يبلغ ثماني سنوات في ملبو ببجاية، وذهبت صحيفة Le Matin d’Algérie المعارضة بدورها إلى التشكيك في الرقم الرسمي، معتبرة أن الحصيلة قد تكون أثقل.
وبين حصيلة رسمية توقفت عند 12 وفاة، وحالة موثقة في ولاية ميلة نشرتها صحيفة جزائرية من دون أن تظهر ضمن التوزيع الذي قدمته الحكومة للضحايا، وبين معطيات معارضين تتحدث عن عشرات الوفيات التي لم تُدرج في الأرقام المعلنة، تتسع دائرة الشكوك والتساؤلات بشأن ما إذا كانت الحصيلة الرسمية تعكس فعلا الحجم الكامل للخسائر البشرية، أم أن هناك تستر متعمد لإخفاء حصيلة الضحايا.
وتزداد هذه التساؤلات بالنظر إلى اتساع رقعة الحرائق التي اجتاحت مناطق عديدة من شمال الجزائر، وخصوصا منطقة القبائل، حيث تضررت قرى ومناطق جبلية واسعة، وهي منطقة تحمل أيضا حساسية سياسية خاصة في ظل وجود تيار استقلالي تقوده "حركة تقرير مصير منطقة القبائل".

تعليقات الزوار
لا تعليقات