يثير قرار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون العودة إلى تنفيذ أحكام الإعدام، بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجميد الفعلي للعقوبة، جدلا قانونيا وحقوقيا في الجزائر، بين من يرى في الخطوة تشديدا ضروريا للردع وحماية الحق في الحياة، ومن يحذر من مخاطر تنفيذ عقوبة لا رجعة فيها خاصة في حال لم تكن ضمانات المحاكمة العادلة كافية.
وجاء إعلان تبون الأحد الماضي، عقب الحرائق الواسعة التي ضربت عدداً من ولايات البلاد وخلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة، حيث أمر وزير العدل بإعداد مشروع تعديل للقانون الجنائي قبل 15 أيلول/ سبتمبر المقبل، يتضمن تشديد العقوبات على المتورطين عمداً في إشعال حرائق الغابات، وصولاً إلى “تطبيق عقوبة الإعدام مع التنفيذ“.
ويفتح القرار، في حال ترجمته إلى نصوص وإجراءات تنفيذية، الباب أمام مرحلة جديدة في التعامل مع الأحكام الصادرة بالإعدام، بعدما ظلت المحاكم الجزائرية تنطق بها في عدد من الجرائم الخطيرة، بينما بقي تنفيذها معلقا لأكثر من ثلاثين عاما.
وبمجرد الإعلان عنه، وجد القرار تأييدا لدى أصوات طالبت منذ سنوات بإعادة تنفيذ عقوبة الإعدام، خصوصا في الجرائم التي تستهدف حياة الأشخاص.
وكتب النائب السابق أحمد بلجيلالي، الذي سبق أن رافع من أجل استئناف تنفيذ العقوبة، أن تشديد الرئيس على تنفيذ الإعدام يستجيب لمطلب طالما دعا إليه، معتبرا أن العقوبة يمكن أن تساهم في “تأمين الحق في الحياة وحفظها وردع كل من تسول له نفسه إزهاقها”.
ويستند هذا الاتجاه إلى فكرة أن العقوبة القصوى لا تستهدف الانتقام من مرتكب الجريمة بقدر ما ترمي إلى حماية المجتمع، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأفعال تؤدي إلى وفاة أشخاص، مثل القتل العمد أو بعض صور الإرهاب أو الحرائق العمدية التي تفضي إلى سقوط ضحايا.
كما أعادت جرائم اختطاف وقتل الأطفال خلال السنوات الماضية النقاش حول الإعدام إلى الواجهة، مع ارتفاع المطالب الشعبية بتنفيذ الأحكام الصادرة في القضايا التي خلفت صدمة واسعة، ومن بينها مؤخرا قضية الطفلة مروة بوغاشيش.
ويقول أنصار هذا الطرح إن استمرار إصدار أحكام بالإعدام من دون تنفيذها يجعل العقوبة في وضع قانوني استثنائي، إذ يحكم القضاء بعقوبة يفترض أنها مقررة لأشد الجرائم خطورة، ثم تبقى غير منفذة لعقود.
واللافت أن الجدل القانوني لم يتوقف عند مبدأ تنفيذ الإعدام، بل امتد إلى السؤال حول الحاجة أصلا إلى تعديل القانون من أجل معاقبة المتورطين في الحرائق بالإعدام.
ويشير الحقوقي والمحامي بوجمعة غشير إلى أن المادة 399 من قانون العقوبات تتضمن بالفعل عقوبة الإعدام في حالة الحريق العمد الذي يؤدي إلى وفاة شخص أو عدة أشخاص.
وتنص المادة على أنه في الحالات المنصوص عليها في المواد من 396 إلى 398، يعاقب مرتكب الجريمة بالإعدام إذا أدى الحريق العمد إلى موت شخص أو عدة أشخاص، بينما تكون العقوبة السجن المؤبد إذا تسبب الحريق في جرح أو عاهة مستديمة.
ومن هذا المنطلق، يرى غشير أن النص القانوني الذي يمكن أن ينطبق على وقائع الحرائق موجود أصلا، وأن النقاش ينبغي أن ينصب على تطبيق النص القائم، وليس بالضرورة على استحداث أساس قانوني جديد.
لكن التوجيه بتعديل قانون العقوبات، قد يكون من ورائه وفق آخرين توسيع عقوبة الإعدام إلى خارج دائرة الحرائق المفضية للوفاة، وهو ما يتطلب بالفعل تعديلا.
وفي الوقت نفسه، يطرح الحقوقي إشكالا آخر يتعلق بالتزامات الجزائر الدولية، متسائلا عن تداعيات الانتقال من سياسة وقف التنفيذ إلى تنفيذ أحكام الإعدام، وعن كيفية تعامل البلاد مع الالتزامات التي انخرطت فيها في إطار المساعي الدولية الرامية إلى الحد من تنفيذ العقوبة وصولا إلى إلغائها.
ولا يعني الالتزام الدولي هنا أن الاتفاقيات التي صادقت عليها الجزائر ألغت العقوبة من التشريع الداخلي، إذ بقي الإعدام قائما في قانون العقوبات. لكن وقف التنفيذ لأكثر من ثلاثين سنة وضع الجزائر عمليا ضمن الدول التي لا تنفذ هذه الأحكام، وهو ما يجعل العودة إلى التنفيذ تحمل أبعادا قانونية وحقوقية تتجاوز حدود تعديل مادة في قانون العقوبات.
وبغض النظر عن ردود فعل المنظمات الدولية المنتظرة، يرى الرافضون أو المتحفظون على عقوبة الإعدام، أن الإشكال يكمن تحديدا في أن الخطأ القضائي لا يمكن تصحيحه بعد التنفيذ.
ويطرح المحامي والحقوقي عبد الغني بادي مخاوف تتعلق باستقلالية القضاء والفصل بين السلطات وقرينة البراءة، مشيراً إلى انتشار مظاهر التشهير بمشتبه فيهم في وسائل الإعلام والفضاء الافتراضي، حتى قبل توجيه الاتهام إليهم أو صدور أحكام قضائية بحقهم.
ويشير إلى أن قانون العقوبات يتضمن نحو 16 مادة تنص على عقوبة الإعدام، وتشمل جرائم تتصل بأمن الدولة والإرهاب والقتل والحريق العمد وبعض الجرائم الأخرى. ويرى أن بعض هذه النصوص، خصوصا تلك المتعلقة بأمن الدولة والتمرد والإرهاب، قد تتقاطع في بعض الحالات مع ظروف سياسية أو صراعات سياسية، وهو ما يجعل مسألة ضمان المحاكمة العادلة أكثر حساسية عندما تكون العقوبة المحتملة هي الموت.
ويطرح الحقوقي بوجمعة غشير سؤالا آخر يتعلق بمصير الأحكام السابقة التي صدرت بالإعدام خلال فترة التجميد. فمنذ 1993، واصلت المحاكم إصدار أحكام بالإعدام، خصوصا في قضايا القتل والإرهاب والجرائم بالغة الخطورة، لكنها لم تنفذ. وبالتالي فإن العودة إلى التنفيذ تفتح تلقائيا ملف مئات الأحكام التي صدرت خلال العقود الماضية، وما إذا كانت ستصبح قابلة للتنفيذ أم ستخضع لمراجعة أو إجراءات قانونية جديدة.
ويرى غشير أن بعض هذه الأحكام صدر في ظروف أمنية وقانونية مختلفة، وقد تكون بعض الملفات، بحسب تعبيره، مشوبة بعيوب إجرائية أو قانونية، الأمر الذي يطرح تساؤلا حول ما إذا كان من الممكن الانتقال مباشرة إلى التنفيذ بعد هذا التوقف الطويل.
وضمن هذا النقاش، يستحضر المحامي والسياسي عبد الرحمن صالح حالات تاريخية للدفاع عن موقفه الرافض للتسرع في تنفيذ العقوبة.
وأشار إلى واقعة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، حين نفذ حكم بالإعدام في أحد المتهمين في قضية خطف واحتجاز شهيرة، قبل أن تظهر لاحقاً شكوك قوية حول احتمال عدم ارتكابه الجريمة.
ويستخدم صالح هذه الواقعة للتأكيد على أن العدالة البشرية ليست معصومة من الخطأ، وأن الإعدام يختلف عن باقي العقوبات في أن أي خطأ لا يمكن إصلاحه بعد التنفيذ.
كما يشير إلى أن تنفيذ الأحكام لم يكن منتظما حتى قبل التوقف الفعلي سنة 1993، قائلاً إن عدد أحكام الإعدام التي نفذت بين 1963 و1993 ظل محدودا، مقارنة بعدد الأحكام الصادرة.
وبالنسبة إليه، فإن الأولوية ينبغي أن تكون لإصلاح منظومة العدالة قبل الانتقال إلى تنفيذ العقوبة القصوى، من خلال تعزيز ضمانات الدفاع وقرينة البراءة، وتحسين تكوين المحامين، وإشراك الدفاع في الإجراءات القضائية منذ مراحلها الأولى.
وتعود جذور عقوبة الإعدام في الجزائر إلى مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث أبقت الدولة على العقوبة ضمن منظومتها القانونية. ونظم القانون المتعلق بها طريقة التنفيذ مع وضع استثناءات وقيود زمنية على التنفيذ.
وظلت العقوبة مطبقة إلى غاية سنة 1993، عندما نفذت آخر الأحكام، قبل أن تدخل الجزائر في مسار توقف عملي عن التنفيذ. لكن هذا التوقف لم يتحول إلى إلغاء قانوني. فقد ظلت عقوبة الإعدام موجودة في قانون العقوبات، مع تضييق نطاق الجرائم التي تمتد فيها الأحكام إلى العقوبة القصوى.

تعليقات الزوار
لا تعليقات