تتجه الأنظار مجددا نحو القضاء الإسباني وهو يقف على المحك في قضية رجل الأعمال والإعلامي الجزائري أيوب عيسيو، المعتقل في مطار برشلونة منذ منتصف صيف 2026 بطلب من السلطات الجزائرية، في ملف يعيد إلى الأذهان مسلسل المساومات المعقدة بين ملف حقوق الإنسان وحسابات الطاقة بين الجزائر واسبانيا.
وبينما تضغط الجزائر لاسترداد عيسيو، المالك السابق لقناة "الجزائرية وان"عبر صدور أحكام قضائية غيابية مشددة تتعلق بقضايا مالية وتبييض الأموال، يرى الدفاع وفعاليات حقوقية وثيقة الصلة بالملف أن الملاحقات تجد جذورها في مواقفه المعارضة وانتقاداته الحادة للطبقة الحاكمة عقب حراك 2019.
القضية تجاوزت أروقة المحكمة الوطنية الإسبانية لتصنع حدثا سياسيا في باريس، حيث تحركت شخصيات فرنسية بارزة بتوجيه رسالة مفتوحة إلى الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، وحملت توقيعات أسماء وازنة مثل الكاتب بوعلام صنصال، والوزير الأسبق برنار كوشنير، إلى جانب كتاب وفلاسفة آخرين.
وناشد الموقعون في الرسالة العواصم الأوروبية التدخل العاجل لإيقاف مسطرة التسليم وإطلاق سراح عيسيو ليتمكن من العودة إلى أسرته وفرنسا التي لجأ إليها منذ سنوات، حيث ركزت هذه المبادرة على أبعاد حرية التعبير والسلامة الجسدية لأيوب عيسو.
وفي اتجاه معاكس، شنت الصحافة الجزائرية هجوما مضادا استهدف تشكيك التوجه الفرنسي والطعن في دوافع المدافعين عن عيسيو، حيث طرحت صحف تابعة للنظام الجزائري تساؤلات حول الخلفيات التي تدفع شخصيات بارزة في باريس للتدخل في شأن قضائي يخص طلب تسليم ثنائي بين الجزائر ومدريد، كما تطرقت بعض التقارير إلى تفاصيل حول سفريات سابقة قام بها المعني، في محاولة لربط القضية بأجندات ولوبيات خارجية كما دأبت على ذلك الجزائر.
ولا يمكن فصل هذا الملف القضائي عن سياقه السياسي والإستراتيجي الواسع، حيث تنظر العديد من المنظمات الحقوقية بوجل إلى أداء السلطات الإسبانية في التعامل مع طلبات التسليم الواردة من الجزائر، حيث تخشى هذه الجهات من أن ترجح مدريد مصالحها الاقتصادية المباشرة على حساب التزاماتها القانونية الدولية المتمثلة في احترام حقوق الإنسان ومبادئ اللجوء الأوروبية.
وتزداد هذه المخاوف بالنظر إلى الدور المحوري الذي تلعبه الجزائر في تأمين احتياجات إسبانيا من الطاقة، حيث تشير البيانات الرسمية لسوق الغاز إلى أن الجزائر تستحوذ على النصيب الأكبر من إمدادات الغاز الموجهة للاستهلاك الإسباني، إذ أن هذا الاعتماد الطاقي يجعل القرار القضائي والسياسي في مدريد تحت تأثير التوازنات الاقتصادية على ملفات حقوق الإنسان.
ويستحضر الحقوقيون سوابق قريبة قامت فيها مدريد بترحيل معارضين جزائريين سابقين تم تسليمهم للسلطات الجزائرية رغم تحذيرات من منظمات دولية بارزة مثل منظمة العفو الدولية وهيئة الأمم المتحدة، منها قضيتي محمد عبد الله ومحمد بن حليمة التي تعد من أبرز الشواهد التي استندت إليها التقارير الحقوقية لإبراز خطورة الترحيل القسري نحو بلد قد يواجه فيه المطلوبون عقوبات قاسية أو محاكمات تفتقر لمعايير النزاهة.

تعليقات الزوار
لا تعليقات