ما يجري اليوم في الجزائر من نقاشات ومماحكات حول اللغة والدين، يراد به إبعاد السياسة عن مجال التداول، فالغائب الكبير وأصل الأزمة المستعصية هو الديمقراطية، التي تغافل عنها الجميع، ولم يعد بوسعهم الحديث عنها، بسبب العياء الذي انتاب مفاصل الدولة والمجتمع معاً. فقد التجأ المجتمع إلى أسلوب الدعاء والصلاة، كأسهل طريق للدخول إلى الجنة، ومن ثم الحرص على زيادة الأجر في ميزان الحسنات، ببناء غير منتهٍ للمساجد، كأفضل قربان يقدم إلى الله، ولعلّ المسجد الأعظم من هذا القبيل، الذي يكرس الانقلاب على الإسلام الإصلاحي. فقد لاذت الدولة إلى إصدار ترسانة متلاحقة من التشريعات تحمي السلطة من النقد ومن النقض، في غياب تام لاستقلالية السلطات واستجابة فورية للقضاء الجاهز. وهذا ما يطلق عليه بالحياد السلبي، أي تسخير مؤسسات الدولة والمجتمع من أجل إبعادها عن تحقيق وظائفها الحقيقية.
المقصود بالحياد السلبي، هو القدرة على التعطيل وصرف الطاقة والحيوية في مفاصل الدولة والمجتمع عن أن تنشط وتواصل نماء إيجابيا يراكم التجربة ويرصد الفعل في أبعاده السياسية والاجتماعية والتاريخية، أي يسير وفق سيرورة التاريخ وليس خارجه. فكل المناصب التي وزّعت على غير أصحابها وغير المؤهلين لها هي قوة حياد سلبي، لأنها تصرف عن الاهتمام والتَّكفل بما يندرج في صلب الوظائف المُوكلة لغير ذويها الحقيقيين. فالمناصب هنا لها دور سلبي جدّا، لأن صاحبها سرعان ما يحمل ملفّه معه إلى أروقة المحاكم، ثم إلى غياهب السُّجون، على ما تلاحقنا به وسائل الصحافة والإعلام. والمسؤولية لا تقع على السلطة التي قامت بترتيب التعيين فحسب، بقدر ما أنها تقع أيضا على من قَبِل المنصب، من دون حياء ولا أخلاق، بعيدة عن تعاليم الدين، الذي يؤدي فرائضه يوميا. ومن هنا يلتئم التنافي بين السياسة والدين عندما ينظر الإنسان إلى نفسه في مرآة الدين والسياسة معاً.
الذين رفضت السلطة ترشيحاتهم في تشريعيات يوليو الماضي، كانوا بالآلاف، وهو رقم مفزع فعلا، لأنه ينم عن قلة حياء وفساد في الأخلاق، يجب أن يفضي إلى وقف العملية الانتخابية برمتها لأنها غير صالحة.. وقراءة ناقدة وفاحصة للنتائج تؤكد ذلك، بلا أدنى ظل من ريبة. وما يفسِّر ذلك هو ظاهرة التَّساهل وحالة عياء في وجدان الفرد وتصلُّب في مفاصل الدولة ودواليبها ودوائرها التابعة والمناوبة لها، لعّل الشاهد على كل ذلك هو تنصيب امرأة على رأس البرلمان الجزائري في سابقة تكرس حالة اللامبالاة والاستهزاء، وإعادة إنتاج مستمر للجفاء وتكلّس شريان السلطة وتقدم إلى الخلف للدولة والمجتمع. ومن المتوقع، بسبب الفراغ والخواء وغياب شرعية الاستحقاق والأهلية، أن تتكرس أكثر وأكثر الرداءة السياسية والانتحار الناعم لمقومات الأمة، وظاهرة هجرة من البلد وهجر العالم له. الجدل الصاخب الذي يجري اليوم في الجزائر حول مسألة اللغة، ليس له ما يبرره أصلا، لأنه لا يوفر مقدمات ولا يعطي سياقا، ومن ثم عبثا تحاول السلطة والمجتمع تحقيق نتائج. ما يكشف عنه هذا الجدل الصاخب، أنه يندرج في منظومة تربوية لا تلتحم مع تاريخ وهوية أمة، بل يعتمد في غالب ما يعتمد على ما هو خارج النص ومفارق للتاريخ، لا يرتب إلا الخواء والهباء والفراغ.
وجدل من هذا النوع وفي هذا الموضوع، يفصح فقط عن فراع رهيب حول أجهزة التنفيذ، وفقر في ضمائر جماهير لا تعرف كيف تتواصل مع حقائق الدولة والمجتمع. وما هو معروف أن حقيقة الحقائق في الجزائر، هي أن النظام الجديد يلعن القديم، ومن المتوقع أن هذا النظام سوف يَلْعَنه لا محالة النظام القادم، الأمر الذي يؤجل غياب شرعية ومصداقية ونجاعة ما يجري في الوقت الراهن إلى المستقبل، وهذا مؤكد ما دامت الديمقراطية غير موجودة، لا على صعيد النظرية ولا على صعيد الممارسة. والسؤال الذي يجدر طرحه في هذا الصدد هو لماذا العناد في التشبث بمنظومة تعلمية عاجزة عن التربية، ولماذا الإصرار على التمسك بنظام تعليم عالٍ عاجز عن البحث العلمي. الأمر الذي يحيل كل شيء إلى هامش هدر الإمكانيات وتبديد الثروات وهجر البلاد.
عندما يثار موضوع اللغة في الجزائر، فهو يقدم الشاهد البيّن على أننا لم نتقدم في مسألة مُقَوِّمات الأمة، وأن كل ما تم هو محاصرتها، لكي لا تصل إلى مَرامِيها الواردة في النصوص الأولى للتأسيس، وقد حازت نصيبها من النقاش الجاد، على ما دار مثلا بين المناضل الجزائري فرحات عبّاس والمصلح المثقف عبد الحميد بن باديس، عام 1936، في مسألة «الوطن الجزائري»، وقد حُسِم النقاش والحوار الحضاري بأن الجزائر لا يمكن أن تكون فرنسية من جهة الجزائريين، ومن جهة الاستعمار أيضا. وقد راحت رياح التغيير والتحوّل صوب محطة الاستقلال الوطني، وإن بمخاض أليم جدّا.
وهناك محطة أخرى تفصح عن نفاد موضوع اللغة في الجزائر في الجدل الرّائع الذي ساد «الميثاق الوطني» عام 1976، ساهمت فيه كل الفئات السُّكانية على تنوع مناطقها ولهجاتها وتعبيراتها، وكان ذروة هذا الجدل والحوار ما دار بين المفكر مصطفى لشرف، الذي كان يكتب باللغة الفرنسية، والمفكر عبد الله شريط، الذي كان يكتب باللغة العربية، وكان الموضوع حول التعريب، من دون المساس لا باللغة العربية ولا باللغة الفرنسية، لأن مصطفى لشرف اقتنع بضرورة الكتابة باللغة العربية، وقد عمد إليها فعلا، وأن عبدالله شريط اقتنع بتداول اللغة الفرنسية وكان يدرس بها في الجامعة.
وتنبع شرعية محطة الحوار بين المفكرين، أنهما مناضلان في الحركة الوطنية والإصلاحية والثورة الجزائرية، التي طالما كانت تطالب السلطات الفرنسية بحق اللغة العربية في المؤسسات وفي المجتمع، كما كانت تطالب في البيانات نفسها والمنشورات بحق الجزائريين في ارتياد مقاعد المدارس والجامعات الفرنسية، على غرار سائر الفرنسيين، إن في الجزائر أو في فرنسا. ومن هنا، فإن الجدل العقيم الذي يظهر من حين لآخر هو لمجرد التَّستر على حقائق مؤلمة تفسد دائما مسار التنمية الحقيقة واستكمال مؤسسات الدولة المجردة والمنزهة عن أطماع الأشخاص، والدوائر الفارغة التي تسعى إلى ملء هذا الفراغ بإثارة قضايا وافتعال مسائل مستهلكة على خلفية أن الجيل الجديد لا يعرف ذلك.
كان المفكر الجزائري مالك بن نبي يتناول مأساة الجزائر المستعمَرة من جهة ما فعل فيها الاستعمار، ومن جهة ما فعل الجزائريون بأنفسهم عندما يتعلق الأمر بمسألة «القابلية للاستعمار»، التي تلح علينا كلنا لنتولاها بالدراسة والعمل من أجل الخروج من حالة العجز وعقدة النقص وانفلات الأوضاع نحو مصير مجهول، لا يمكن التحكم فيه، على ما نحضر في مسألة اللغة في الجزائر المستقلة، وكأننا لم نغادر عصر الاستعمار، الذي كان يحرم الأهالي من حقوقهم وحرّياتهم العامة، وآثرنا أن نصنع «أهالي» جددا زمن الاستقلال، يَسْهل استغلالهم وصرفهم عن الطريق الذي يفضي في دولة المواطن المكتملة لا تعاني الفراغ المُدَمِّر، أو بتعبير آخر يفيد المعنى نفسه، لا تعاني الحياد السلبي الذي ينسف كل شيء ولا يترك أثرا ذا بال، خوفا من الفضائح.
د. نورالدين ثنيو

تعليقات الزوار
لا تعليقات