من بين أقوال الفلاسفة، التي تتردد معانيها حين متابعة المستجدات تدوي عميقا مقولة الفيلسوف الإيطالي «أنطونيو غرامشي» التي وردت في مذكراته «كراسات السجن» وهو يصف التحولات التي تصيب البنى: «العالم القديم يموت، العالم الجديد يتأخر في الظهور، وفي ذاك الغلس تظهر الوحوش». لكن العالم الذي يقوده عمالقة التكنولوجيا، يصعب معه نحت معالم حياة واضحة الهياكل، ينتفي معه كل رهان على استدامة متوسطة المدى على الأقل، عدا الوحوش المعمرة.
في سياسة العطلة
لا يمكن لمتابع الحياة العامة والسياسية تحديدا في فرنسا ألا يتوقف عند الجدل الواسع، الذي أثارته إحدى خرجات الرئيس ماكرون الأخيرة. صور عطلة رجل البلاد الأول هي تقليد جمهوري، اختلف الرؤساء المتعاقبون في تقديمه، باعتباره فرصة أخرى لتوطيد العلاقة بالشعب، وكذا تقديم ردود سياسية «هادئة»، ثم تسويق الوجهة السياحية الوطنية. منذ سنوات يقضي الرئيس الأربعيني عطلته الصيفية في قلعة بريغنسون، في إقليم الفار جنوب البلاد، على شواطئ الكوت دازير الشهيرة، لكن الصور التي اختارها للحديث عن آخر صيف له على رأس الإليزيه لم تكن موفقة، أو على الأقل ذلك ما عبرت عنه جموع المتفاعلين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وكذا إعلام التيارات المناوئة. صور بدا فيها الرجل لوحده، يقود دراجة «جيت سكي» المائية، وأخرى يستعرض فيها رشاقته، اختيار أريد منه أن يعكس قدرته على إدارة بلاد وعباد، لم يسعفهم حر الصيف ولا هدوء العطلة في ضبط غضب واسع منه، بل رأى فيها تيار واسع استهزاء ولا مبالاة بمعاناة الفرنسيين الذين لا تزال الحرائق تأتي على منازلهم وقراهم، وتتسبب في انقطاعات متكررة في التزود بخدمات المياه والكهرباء.
كثر علقوا على الأوامر التي تلقتها فرق الدفاع المدني في الالتحاق الاجباري بثكناتها وكذا مختلف القوى الأمنية لضمان تسيير أمثل لأزمة الحرائق، فرق وقوى حرمت من عطلها مقابل رئيس لا مبال، يستعرض غرامه بالدراجات المائية على صفحات «باري ماتش»، تماما كنجم وليس كرجل سياسة. أما الأكثر تأثرا بعثرات الاقتصاد الفرنسي، والذي أشارت آخر الاستطلاعات التي صدرت بالتزامن مع العطلة حوله إلى بلوغ أزمة البطالة أقصاها خلال عقد كامل، فقد وجدوا، فيما أتاه الرجل سخرية من الفقر، الذي صار يحرم الكثير من الفرنسيين من السياحة الصيفية.
ولأن البلاد تعيش على صفيح ساخن، وأزمة هيكلية حقيقية، ولأن صور ماكرون لم تكف فقد تضاعف غضب المتفاعلين مع عدد «باري ماتش»، الذي خصص صورا في العدد ذاته لأحد أبرز مرشحي الحزب الاشتراكي للرئاسيات القادمة وأمينه العام الحالي رافييل غلوكسمان، الذي خصصت لصور عطلته مع رفيقته الإعلامية ذات الأصول اللبنانية ليا سلامة مساحة صغيرة على صفحة الواجهة، ومقال كامل عن « شهر عسله المستدام» مع إحدى نجمات الإعلام الفرنسي.
الأسباب نفسها التي أعابها الفرنسيون على رئيسهم ومعها سخرية واسعة مما اعتبروه فبركة صور رئيس محتمل يعتنق قيم الجمهورية وروح الشعب الفرنسي، وسردية يحاول بناءها رجل اليسار، الذي لم يعد حزبه يحمل (ومعه هو) من اسمه غير شعارات جوفاء.
النساء مستقبل الرجال
من الأبيات الشعرية الفرنسية المشهورة تلك التي أتت على لسان أحد أهم شعراء البلاد خلال القرن الأخير، لويس أراغون، إذ يقول في إحدى قصائد ديوان «مجنون إلزا»: «المرأة مستقبل الرجل». لطالما أخذ البيت باعتباره قولا فلسفيا، وموقفا فكريا، وطرحا مستجدا بالنسبة لزمانه.
في الجزائر تتكرر المقولات حول بطولات نسوة البلاد الممتدة، يرى فيهن البعض قلب البلد النابض، رمز كرامة البلاد، والمنقذات الصامتات وقت الأزمات، ما دفع كاتبا بأهمية الجزائري محمد مولسهول أن يختار اسم امرأة كلقب أدبي ويعيش به. صمام أمان إذا غير قابل للتلف، متجدد النفس، تؤكده تفاعلات الجزائريين الافتراضية الأخيرة.
المعروف أن مساحة البلاد الرقمية هي من الأشد نشاطا في المنطقة، لأسباب بعضها بديهي وبعضها بحاجة إلى مزيد من الاهتمام البحثي، لكن لم يحدث أن عاشت البلاد حالة استقطاب على مواقع التواصل الاجتماعي كذلك الذي عاشته خلال الأسابيع الأخيرة. بين حكومتين (واحدة منتظر أن تسلم استقالتها، وأخرى ينتظر الإعلان عنها) يكون الجزائريون قد عاشوا حالات شعورية متذبذبة، بين أفراح ودموع المونديال، حرائق أتت على صغار البلاد قبل غاباتها، حافلات «أخذت تنتحر» الواحدة تلو الأخرى وتحول أطول عطلة في تاريخ البلاد إلى حلقات حداد وطني متكررة، ولأن موت أطفال دار أيتام لم يكن كافيا، فقد تحول التدبر في حقوقهم من تلقي علوم وحماية حقوقية إلى فسحة الى «النقاش العقيم»، وإعادة بعث وحوش الماضي القريب والبعيد، بالحجج والحجج المضادة ذاتها، كأن الزمن راكد لا يتحرك.
بين من رأى في الأمر شيئا مستحبا ومساحة آمنة لاختبار حيوية مجتمع، ومن وجد في الأمر أزمة عميقة لم تعلن عنوانا لها بعد، تعددت التحليلات، لكنها اتفقت أن حرارة التفاعل الرقمي في البلد قد قطعت أشواطا جديدة وجب التوقف عندها. حرارة لم تعدلها غير نتائج فريق البلاد النسوي لكرة القدم الذي قد حقق نتائج غير مسبوقة بالتأهل إلى المونديال المقبل في البرازيل، ثم خطف ميدالية برونزية مستحقة في المملكة المغربية وأمام الفريق صاحب الأرض.
تفاعل الجحافل الرقمية مع الفريق الذي افتك جائزة «الروح الرياضية» أيضا جاء متراوحا بين الثناء والسخرية: «شكرا لكن، شرفتمونا»، «فعلتن ما لم يفعل إخوان لكن، ذهبوا لأمريكا وكندا ليأخذوا صور سلفي»، «شكرا لروحكن الوطنية العالية» علق البعض، في حين كرر آخرون ساخرين: «عرفنا الآن من الذي وجب أن ينتقل إلى المطابخ»، «واصلن بحصد الأفراح وسنهتم نحن معشر الرجال بتحضير الحلويات والأطايب احتفالا بفوزكن»! «على مدرب الفريق الوطني الرجالي القادم أن يختار من لاعبات الفريق النسوي بعض العناصر لسد ثغرات حراسة المرمى ووسط الميدان»!
غادة بوشحيط

تعليقات الزوار
لا تعليقات