أخبار عاجلة

لماذا تسود نظرية المؤامرة في الخطاب السياسي الرسمي في الجزائر؟

لماذا تسود نظرية المؤامرة في الخطاب السياسي الرسمي في الجزائر بهذا الشكل الواسع والمكرر، وما هي الوظائف الظاهرة والمستترة التي تقوم هذه النظرية بإنجازها، وهل هي مرتبطة فقط بالسلطة ورجالها، أم أنها توسعت لتشمل المواطنين كذلك، ومتى تكون هذه النظرية أكثر حضورا، وهل كانت هذه النظرية سائدة لدى النظام السياسي منذ القديم، أم أنها جديدة وطارئة عليه، وما هي علاقة حضورها بنوعية تسيير هذا النظام لمؤسساته، ونوعية نخبه الحاكمة وعلاقاتها بالمواطنين؟
بعض الأسئلة اناقشها اليوم، بعد أن عدلت عن فكرتي الأولى، بعدم الكتابة هذا الأسبوع، نظرا لحالة حزن انتابتني، كانت ممزوجة بالكثير من الغضب، على الحال الذي وصله البلد، وأنا أتابع مثل غيري من الجزائريين، انتشار الحرائق الرهيبة التي نعيشها منذ أيام، والتي خلفت دمارا شبه كلي للطبيعة في ولايات الشمال الشرقي الجبلية، كما كان الأمر في ولاية جيجل وبجاية عنابة الطارف، إلخ، بخسائر بشرية لم يتم الإعلان عنها لغاية اليوم، بعد عدة أيام من انطلاق الحرائق، في وقت بدأ الحديث فيه الكلام عن التحكم في هذه الحرائق التي تجاوز عددها 190 حريقا انطلقت في الوقت نفسه تقريبا، مست البشر والحيوان والطبيعة.

عدم تحمل المسؤولية التي يستفيد منها المسؤول الكبير والصغير، هو التفسير الأساسي لتبني  نظرية المؤامرة، التي يروج لها الرسمي الجزائري بقوة، لأنها تعفيه من كل حساب ومسؤولية

لنكون بذلك مع أول علاقة تفسيرية للظهور القوي لنظرية المؤامرة، واستمرار حضورها، غياب الإعلام، واضطراب أداء مؤسساته، كما ظهر بشكل كبير هذه المرة، وصل إلى حد أن المواطن الجزائري لم يعرف عدد ضحايا الحرائق لغاية اليوم ـ بعد أسبوع تقريبا من انطلاقها – وهو يشاهد عمليات دفن جماعي لعشرات الضحايا، كما كان الحال في ولاية جيجل المنكوبة، في وقت يخبرنا عديد المؤشرات، بما في ذلك شهادات الأهالي وتواتر المعلومات المتداولة على مستوى الوسائط الاجتماعية، التي عاد المواطن بقوة لها في غياب الإعلام الرسمي، أن الرقم المعلن عنه لعدد الضحايا -12 قتيلا وعشرات المصابين – مرشح للارتفاع بشكل واضح، وهو ما يتخوف الطرف الرسمي في الإعلان عنه.
في وضع في غاية السريالية، قام فيها التلفزيون العمومي بتغطية الجنازة، بحضور الوزير الأول وبعض الوزراء، وزير الداخلية ووزير الصحة، الذي قضى عطلته الصيفية هذه السنة في زيارة ضحايا حوادث الطرق والحرائق، من دون الإفصاح عن عدد الضحايا، في بلد أصبح من السهل جدا أن يموت الإنسان فيه ويدفن بهذا الشكل الجماعي، الذي كنا نعتقد أننا قد ابتعدنا عنه، بعد دحر ظاهرة الإرهاب، لنبقى أمام رفض منح المواطن الجزائري معطيات حقيقية عن عدد ضحايا هذه الكارثة التي لا يمكن بتاتا التذرع، لحجب المعلومات عنه، باستمرار الحرائق وعدم التحكم فيها لغاية اليوم، كان يكفي فيها تحيين المعطيات وإشعار المواطنين المكلومين، أن إعلامهم الوطني مهتم بحياتهم وموتهم، عكس ما حصل من غياب شبه كلي للآلة الإعلامية التي عرف سلوكها هذه المرة نكسة حقيقية، عكس ما كان حاصل في مناسبات حزينة- ما أكثرها حين تعدها – كانت الجزائر قد عاشتها على غرار الزلازل والحرائق، في سنوات خلت، كان المواطن يعتقد أن بعض الدروس قد تمت الاستفادة منها.
نقطة الإعلام التي تسمح لنا بالعودة لمناقشة الوظائف التي تفسر انتشار نظرية المؤامرة بهذه الكثافة في الحالة الجزائرية، نعتقد أن لها علاقة مباشرة بذلك الدور الذي تقوم به في التخلص من المسؤولية، التي يشعر بها صاحب القرار وهو يركز على المؤامرة في ترتيب الأمور، مؤامرة يمكن أن تكون خارجية أو داخلية، من قبل أياد، غير محددة، يشار لها بنوع من الغموض المقصود كل مرة، رغم أنها أصبحت أكثر وضوحا في السنوات الأخيرة، بعد أن ارتفع عدد القوى الدولية الواقفة وراءها، على غرار المغرب وفرنسا، وأضيفت لها دولة الإمارات في السنوات الأخيرة، بعد أن ابتعدت الجزائر من الرجعية والإمبريالية، التي كان يشار لها عند الكلام عن المؤامرة، في السنوات الأولى للاستقلال خلال مرحلة حكم الرئيس بومدين على سبيل المقارنة.
عدم تحمل المسؤولية التي يستفيد منها المسؤول الكبير والصغير، هو التفسير الأساسي لتبني هذه النظرية، التي يروج لها الرسمي الجزائري بقوة، لأنها تعفيه من كل حساب ومسؤولية، ماذا يستطيع أن يفعل الإنسان، مهما كان مستوى مسؤوليته أمام جبروت المؤامرة، عكس ما يمكن أن يحصل إذا تم رد هذه الكوارث التي تتكرر كل سنة بشكل شبه منتظم إلى سوء التسيير وعدم جدية المسيرين، وفسادهم، وغيرها من العوامل البشرية، التي يمكن مناقشتها بعقلانية والتحكم فيها كما حصل ويحصل في تجارب التسيير الناجحة المعروفة دوليا.
مسؤول فشل في تسيير المدينة، كما يظهر بشكل جلي على شكل انتشار العنف وعصابات الأحياء وحوادث الطرقات المميتة، إلخ، كان يمكن تفاديها، أو التقليل منها على الأقل، والتحكم فيها عبر تسيير يومي يتمتع بالحد الأدنى من العقلانية، من الصعب أن نطلب نجاحه في تسيير الفضاءات الغابية والجبلية التي تقول الكثير من المؤشرات، أن سوء تسييرها هو الذي نجده وراء الحرائق التي تحولت إلى قدر محتوم في الحالة الجزائرية، تتكرر كل فصل صيف، منذ سنوات عديدة في انتظار فيضانات الخريف! سوء التسيير الذي تكلمت عنه أكثر من دراسة وطنية جزائرية، يظهر على شكل انتشار الفضلات الصلبة القابلة للاشتعال وغياب المسارات داخل الغطاء الغابي والتهور الذي تتصف به سلوكيات بعض المواطنين، عبر استغلال جائر وغير عقلاني للغابة، إلخ، لا تجعلنا نتغاضى بالطبع عن دور العوامل المناخية الصعبة التي يعيشها العالم وليس فقط الجزائر بعيدا عن نظرية المؤامرة التي يصر عليها هذا المسؤول.
وعكس ما تحاول الترويج له بعض القراءات الدينية السلفية التي ترى في الحرائق عقابا إلاهيا، مسلطا ضد الجزائريين الذين خرجوا عن الطريق السوي ـ يكونون قد عبروا عنه من خلال حفلات الرقص والغناء – كما تحدده هذه القراءات التي استطاعت كسب مؤيدين لها داخل المجتمع الجزائري من الشباب، كما يظهر عبر الوسائط الاجتماعية، تزيد بشكل غير مباشر في ازدياد حضور نظرية المؤامرة وطابعها الغيبي، غير المتحكم فيه هذه المرة، يكون ضحيته كل مرة ما يشبه النشاط الثقافي والفني الذي يعرفه صيف الجزائريين، المطلوب منهم عدم مغادرة حالة الحزن الأبدي الملتصق بيومياتهم.. حزن يساعد من دون شك على الزيادة في منسوب الصدمات النفسية التي يعيشها المواطن الجزائري، منذ سنوات هو الذي عاش مرحلة الارهاب، بما عرفته من عنف جماعي لم يتم التخلص من آثاره لحد الآن، في هذه المناطق بالذات التي شهدت الحرائق هذه السنة، قد تؤدي إلى إعادة إنتاج موسع لحالة الصدمة لدى الأجيال الصغيرة من أبناء الجهة، كان الله في عونهم ورحم موتى هذا الشعب الذي عبّر عن أشكال تضامن وتآزر بين أفراده من كل جهات البلاد، فاقت كل تصور.

ناصر جابي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات