أخبار عاجلة

واشنطن تدخل المعارضة الإيرانية المسلحة في حساباتها مع طول أمد الحرب

فتح نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس بابًا جديدًا في المواجهة مع إيران عندما أعلن أن "جميع الخيارات مطروحة" بشأن تسليح المعارضة الإيرانية، رافضًا الكشف عن طبيعة الخيارات التي تدرسها واشنطن، في إشارة تحمل دلالة تتجاوز التلويح بأداة عسكرية إضافية إلى احتمال الانتقال من استهداف قدرات الدولة الإيرانية إلى محاولة التأثير في تماسكها الداخلي.

ولا تحدد تصريحات فانس أي فصيل معارض تقصده واشنطن، كما لا يعني الحديث عن المعارضة الإيرانية حصرًا القوى الكردية. وإذا كان الخيار الكردي حاضرًا في الحسابات الأميركية، فإن أبرز التنظيمات الكردية الإيرانية لها قيادات وقواعد في إقليم كردستان العراق، إلى جانب شبكات سرية داخل المناطق الكردية في إيران. وفي فبراير/شباط الماضي تشكل تحالف يضم عددًا من القوى الكردية الإيرانية، بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني و'كومله' و'بيجاك'، في مسعى لتنسيق العمل السياسي والعسكري.

أما المناطق الواقعة في جنوب شرق إيران وعلى امتداد الحدود مع باكستان وأفغانستان، فهي المجال الجغرافي للبلوش، لا للكرد. ويشكل البلوش غالبية سكان سيستان وبلوشستان، وتمتد منطقة انتشارهم إلى الجوار الباكستاني والأفغاني، ما يجعل أي رهان أميركي على الأقليات الإيرانية أوسع من الساحة الكردية وقد يشمل جماعات ذات خلفيات ومطالب مختلفة.

ويصعب قراءة تصريح فانس باعتباره إعلانًا عن فشل القوة العسكرية الأميركية وحدها، لكنه يكشف أن واشنطن تبحث عن أدوات إضافية بعدما دخلت المواجهة مع طهران مرحلة استنزاف متبادل، فالولايات المتحدة تواصل العقوبات والحصار والضغط العسكري، فيما لم تُفضِ هذه الأدوات حتى الآن إلى إجبار القيادة الإيرانية على القبول بالشروط الأميركية، بينما تستمر طهران في الرد باستهداف المصالح والقواعد والحركة التجارية في الخليج. وتقول رويترز إن الضغط الأميركي بدأ يضرب الاقتصاد الإيراني بقوة، مع تراجع صادرات النفط وتفاقم التضخم، لكن النظام لا يزال قادرًا على مواصلة المواجهة.

وقد يكون تسليح المعارضة محاولة لإضافة بعد داخلي إلى الضغط الخارجي، فإذا كانت الضربات الجوية والعقوبات تستنزف الدولة الإيرانية من الخارج، فإن دعم جماعات معارضة يمكن أن يفرض على طهران توزيع قواتها ومواردها بين جبهات متعددة، ويجبرها على تعزيز الأمن الداخلي بدل تركيز قدراتها على مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.

وتكتسب الفكرة أهمية خاصة في ظل تحول الرد الإيراني إلى استهداف دول الخليج والممرات التجارية، إذ تسعى طهران إلى رفع كلفة الحرب على واشنطن وحلفائها بدل الاكتفاء بالاشتباك المباشر. وبذلك قد ترى الإدارة الأميركية أن فتح جبهة داخلية إيرانية يفرض على طهران معادلة معاكسة، أي زيادة كلفة استمرارها في الحرب داخل حدودها أيضًا.

لكن هذا الخيار يحمل مخاطر كبيرة، فالمعارضة الإيرانية شديدة التشتت، ولا تمتلك قيادة وطنية موحدة أو قاعدة عسكرية قادرة حاليًا على تحويل الدعم الخارجي إلى تغيير سياسي سريع. وحتى داخل القوى الكردية نفسها توجد اختلافات في الأهداف والبنية والتحالفات، فيما تمثل أقليات البلوش والآذريين والعرب وغيرهم قضايا مختلفة لا يمكن جمعها بسهولة تحت مشروع واحد. وتؤكد تقديرات بحثية أن المعارضة الإيرانية عمومًا تعاني الانقسام وغياب التنسيق الوطني القادر على تحويل الاحتجاجات إلى قوة سياسية منظمة.

كما أن تسليح جماعات مسلحة قد يحقق مكاسب تكتيكية قصيرة الأمد، لكنه قد يفتح في المقابل مسارًا من الفوضى يصعب التحكم في نهايته. وتقدم تجارب المنطقة تحذيرًا واضحًا، إذ أدى انتشار السلاح وتعدد الجماعات المسلحة في ليبيا بعد سقوط معمر القذافي إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتحويل البلاد إلى ساحة تنافس بين تشكيلات مسلحة ومراكز قوة متنافسة.

لذلك لا تبدو فاعلية الخيار الأميركي مضمونة، فقد ينجح في تشتيت التركيز الإيراني ورفع كلفة الأمن الداخلي، لكنه قد يدفع النظام إلى مزيد من القمع، ويحوّل الصراع من مواجهة بين دولتين إلى سلسلة نزاعات داخلية وقومية ومذهبية. والأخطر أن واشنطن قد تجد نفسها أمام جماعات مسلحة يصعب التحكم في أهدافها بعد تغير موازين القوى.

وقد يكون تصريح فانس رسالة ضغط أكثر منه قرارًا مكتملًا بتسليح المعارضة، لكنه يكشف في كل الأحوال أن واشنطن تبحث عن مخرج من معادلة القوة المباشرة المكلفة أو عن وسيلة تجعل إيران تدفع ثمنًا للحرب داخل حدودها. والسؤال الذي سيحدد قيمة هذا الخيار ليس ما إذا كانت المعارضة الإيرانية قادرة على القتال، بل ما إذا كانت قادرة على تحويل الدعم الخارجي إلى ضغط سياسي من دون أن يتحول إلى فوضى مسلحة جديدة.

ويضاف إلى ذلك أن للولايات المتحدة تجربة جعلت أي فصائل مسلحة لا تثق بها وتدرك أنها قد تتخلى عنها ضمن حسابات إقليمية سياسية واقتصادية مثلما هو الحال مع قوات سوريا الديمقراطية، فقد ألقت واشنطن بثقلها في دعم أكراد سوريا في سنوات الحرب التي سبقت سقوط نظام بشار الأسد، قم تخلت عنهم لاحقا لحسابات خاصة وتركتهم يواجهون مصيرهم حتى انخرطوا في مسار المصالحة مع السلطة السورية وقبلوا التنازل عن كثير من مكاسبهم بما في ذلك مشروع الإدارة الذاتية.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات