أخبار عاجلة

إهمال السلطات للفضاءات الغابية هي سبب الفاجعة

عشت طفولتي في الضاحية الجنوبية للجزائر العاصمة. أمامنا شمالا مطار هواري بومدين ثم العاصمة بأضوائها المتلألئة، وخلفنا جنوبا سلسلة جبلية مظلمة، متوسطة العلو، تمتد أفقيا، تسمى سلسلة الأطلس البليدي، يكسوها غطاء نباتي ساحر.
في الكثير من ليالي الصيف الحارة كنا نتسلى بمتابعة حرائق تلتهم غابات تلك الجبال. تكون قوية أحيانا حتى تلفحنا الحرارة ويصل إلينا رماد النيران. وتكون باهتة أحيانا أخرى فنتنافس في عدِّ بؤر النار وأين انطفأت وأين لا تزال تقاوم.
لكن لم نسمع يوما عن خسائر بشرية أو اقتصادية فادحة.
ماذا تغيّر حتى لم يعد يمر صيف إلا وتركت الحرائق نصيبا من الضحايا والخسائر المادية المؤلمة؟
تغيّرت أشياء كثيرة. أبرز ما تغير تمددُ العمران إلى الجبال والغابات، أي اقتراب الناس من مسارح الحرائق (بعد أن كانت تشتعل وتنطفئ دون أن تعثر في طريقها على بشر أو قطعان ماشية). هذا الاقتراب سهّل وقوع خسائر بشرية، خصوصا أنه ترافق مع وعي شبه منعدم بمتطلبات العيش في تلك البيئة والتعامل مع مشاكلها. أبرز ملامح التغيير أيضا إهمال السلطات للفضاءات الغابية، كل عام أكثر من الذي سبقه، وتركها لشأنها ولعبث العابثين.
من المؤسف القول إن الحرائق، بنسختها الجديدة، ستتكرر في الأعوام المقبلة. ليس فقط في الجزائر. العالم مقبل على مزيد من الكوارث الطبيعية، وستكون ثنائية الحرائق والحرارة أكثر فتكا بالحياة البشرية من الحروب والمجاعات والأعاصير.
والنتيجة أن عبارة «لاجئو المناخ» ستطغى في عناوين الأخبار أكثر من «لاجئو الحروب».
الجزائر ضحية تنوعها الطبيعي الشديد.. المساحة الجغرافية الواسعة، التضاريس المتنوعة، الغطاء النباتي الكثيف.. إلخ.
في الظروف العادية يكون هذا التنوع مكسبا يحسدك عليه الآخرون. لكن في موسم الصيف، عندما يلوح خطر النيران، يتحوّل إلى كابوس.
إذا لم تبدأ البلاد بالاستعداد لهذا الواقع الجديد، أخشى أن المستقبل سيكون قاتما.
لحسن حظ الجزائر أنها ليست وحدها في هذا التوجه الكارثي. حالة جنوب أوروبا لا تقل سوءا، والولايات المتحدة أسوأ من أوروبا، وأستراليا أسوأ من الجميع. القصد هنا ليس أن المصيبة «إذا عمّت خفّت»، بل أن هناك مدارس وتجارب يمكن التعلم منها، وحتى العمل معها.

أبلى رجال الحماية المدنية وجنود الجيش الوطني الشعبي بلاءً يفوق الوصف في مكافحة النيران. صورهم وهم في قلب المعركة يصارعون ذلك العدو العملاق الشرس تبعث على الفخر وتدمي القلوب في الوقت ذاته. لكن مع توجه العالم نحو التطبيع مع الحرائق، واضطراره للبحث عن طرق التعامل معها، سيصبح ذلك الصمود وتلك التضحيات أمراً ثانويا أمام أساليب أخرى ستفرض نفسها. مثلما تتطلب الكوارث الطبيعية الاستعداد لها كلٌّ وفق نوعها، ستفرض النيران على الحكومات والمجتمعات إبداع أنماط تفكير وعمل جديدة للتعامل معها.
العنوان الأبرز هنا هو الوقاية. لم يعد كافيا أن تمتلك دولتك إمكانات ضخمة تتغلب بها على الحرائق، بل أن تمتلك قدرة على التخطيط للوقاية من الحرائق. الدولة المتميّزة من الآن فصاعداً هي التي تستطيع منع اشتعال الحرائق، وليس التي تنجح في إخمادها بعد أن تشتعل وتمتد.
بعض الحكومات الغربية بدأت في وضع خطط الوقاية بإشراف أجهزة وهيئات عديدة ومتنوعة. هناك الجهات المعنية بالتخطيط العمراني، والمعنية بالبيئة، والمعنية بالثروة النباتية، والمعنية بطرق البناء والمعنية بالتربية الاجتماعية.. إلخ.
آخر ما يُذكر في هذا الترتيب جهات الإطفاء والقطاع الصحي. لا يُذكر الإطفاء والصحة في أعلى القائمة لأن أمل من تقع على كاهلهم المسؤولية في هذا المجال أن الحاجة إلى هاتين الجهتين ستنتفي عندما ينجح المجهود الوقائي. الحاجة إلى هيئات الإطفاء والدفاع المدني ستتوقف تقريبا عند الإنذار المبكر وتوعية الناس بطرق التصرف أثناء الحرائق.
إذا كنت تعتقد أن هذا التوجه جديد فرضه هول حرائق هذا العام، فأنت مخطئ.
المسؤولون والمخططون الاستراتيجيون في الغرب يعملون منذ سنوات غير قليلة. لو أجريت بحثا سريعا ستعثر على عشرات المواد القيّمة في هذا الصدد. في شباط (فبراير) 2020 نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرا إخباريا ذكرت فيه أن حرائق الغابات المتزايدة ستصبح كارثية في المستقبل المنظور، وكابوسا للحكومات والمجتمعات. وجاء فيه أيضا أن الخطورة التي تشكلها، وستشكلها، الحرائق في المستقبل ستجعل منها تخصصا قائما بذاته في أساليب الحكم وفي التخطيط السياسي والإداري. ينقل التقرير عن خبراء في علوم الحرائق بجامعات عريقة أن أول ما يجب إدراكه أن أساليب مكافحة الحرائق التقليدية لن تجدي نفعا مع الحرائق الضخمة، وربما لن تجدي على الإطلاق.
خلاصة التقرير المنشور قبل أكثر من 6 أعوام أن الحرائق لا تواجَه بالإطفاء وحده، بل أساسا بالوقاية وحسن إدارة الأراضي والغابات وتنظيم الحياة الاجتماعية. ومما يشمل ذلك، الحرائق الوقائية لإزالة المواد القابلة للاشتعال، الرعي لتقليل الغطاء النباتي الذي تحبه النيران، إبعاد الشجيرات عن المنازل في أي تخطيط زراعي وعمراني.
وقد بدأت دول مثل فرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة اللجوء إلى بعض هذه الأساليب، مثل «الحرائق المفيدة»، المتمثلة في إشعال نيران صغيرة تحت السيطرة في أحزمة ومساحات معينة حتى إذا ما وصلتها الحرائق الكبرى لن تجد ما يزيدها اشتعالا فتنطفئ.
الآن وقد وقعت الكارثة في الجزائر، الأولوية يجب أن تكون للتفكير الهادئ والتخطيط الموثوق للمستقبل حتى لا تتكرر مأساة هذا العام خلال الأعوام المقبلة. الغضب مفهوم، والحزن مشروع، وتهدئة خواطر الناس واجب، وتعويض الضحايا مُثمَّن. لكن النفخ في الانفعالات ونيران العواطف الملتهبة أصلا ليس دليل قوة، والتعتيم الإعلامي مشكلة. لأن الأهم من كل ذلك أن الجزائر بحاجة إلى تخطيط دقيق يمنع الحرائق، وإلى عمل ناجع يُبقيها تحت السيطرة، أكثر من حاجتها لتفعيل أحكام الإعدام بحق المتهمين بإضرامها (إنْ تسنّى القبض عليهم وإثبات إدانتهم، لأن الشيطان في التفاصيل).

توفيق رباحي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات