في فضاء مغاربي أُنشئ اتحاده قبل نحو أربعة عقود على وعد بحرية تنقل الأشخاص والبضائع، لكن حدوده ظلت في أجزاء واسعة منه أكثر حضوراً من مؤسساته المشتركة، جاء قرار ليبيا إلغاء التأشيرة عن المواطنين الموريتانيين ليحمل دلالة تتجاوز في نظر كثيرين مجرد تسهيل إداري للسفر بين بلدين.
فقد قررت الحكومة الليبية إعفاء حاملي جوازات السفر الموريتانية من إلزامية الحصول على تأشيرة دخول، بموجب القرار رقم 454، مبررة الخطوة بمبدأ المعاملة بالمثل، حيث تسمح موريتانيا بدورها للمواطنين الليبيين بالدخول بجواز السفر من دون تأشيرة.
وينهي القرار قيداً استمر أكثر من عقد، إذ كانت السلطات الليبية قد أخضعت دخول الموريتانيين لموافقة أمنية في سياق الإجراءات التي أعقبت سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011 وما رافقه من اضطراب أمني وسياسي.
وقد لقي القرار إشادة واسعة في الأوساط الموريتانية، حيث جرى النظر إليه بوصفه خطوة باتجاه استعادة العلاقات الطبيعية بين بلدين تجمعهما عضوية اتحاد المغرب العربي وروابط تاريخية واجتماعية واقتصادية، فضلاً عن كونه تسهيلاً أمام التجار والطلبة والمسافرين والأسر ذات الصلات الممتدة بين البلدين.
ويعيد القرار الليبي إلى الواجهة مفارقة قديمة مفادها أن دول المغرب العربي الخمس، موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا، أنشأت اتحاد المغرب العربي عام 1989، لكن مشروع الاندماج ظل معطلاً سياسياً، ولم يتحول المجال المغاربي إلى فضاء حقيقي لحرية الحركة.
وتعطي الأرقام الحديثة لهذه المفارقة بعداً أوضح؛ فمؤشر انفتاح التأشيرات في إفريقيا لعام 2025 وضع اتحاد المغرب العربي في المرتبة الأضعف بين التجمعات الاقتصادية الإقليمية الإفريقية من حيث انفتاح التأشيرات، بمتوسط بلغ 0.166 فقط.
ومن هنا تبدو الخطوة الليبية تجاه موريتانيا ذات قيمة سياسية رمزية: فبينما تعجز الهياكل المغاربية الجماعية عن التحرك، تستطيع الاتفاقات الثنائية تخفيف القيود تدريجياً، وربما بناء نوع من الاندماج من الأسفل عبر السفر والتجارة والتبادل الاجتماعي.
لكن فتح الحدود أمام الحركة القانونية يطرح في الوقت ذاته سؤالاً موازياً شديد الحساسية: هل يمكن أن يؤدي تسهيل الوصول إلى ليبيا إلى ظهور منفذ جديد للموريتانيين الراغبين في الوصول بطريقة غير نظامية إلى أوروبا؟
ويكتسب هذا السؤال أهميته من الموقع الخاص الذي تحتله ليبيا على خريطة الهجرة الإفريقية. فليبيا ليست مجرد منطقة عبور، بل هي سوق عمل تستقطب مهاجرين إلى قطاعات البناء والزراعة والخدمات، وفي الوقت نفسه تمثل إحدى أهم نقاط الانطلاق عبر وسط البحر المتوسط نحو إيطاليا ومالطا، مع تحول شرق ليبيا كذلك خلال الفترة الأخيرة إلى نقطة انطلاق باتجاه كريت واليونان.
وتشير بيانات أوردتها وثيقة أوروبية حديثة، استناداً إلى المنظمة الدولية للهجرة، إلى وجود نحو 930 ألف مهاجر في ليبيا خلال الفترة من أغسطس إلى أكتوبر 2025؛ والأهم أن 9% فقط ممن شملهم المسح قالوا إن لديهم خططاً ملموسة للانتقال إلى بلد آخر، ما يؤكد أن ليبيا ليست مجرد محطة ترانزيت، بل بلد مقصد للعمل بالنسبة إلى أعداد كبيرة من المهاجرين.
ومع ذلك، يبقى وزن ليبيا في حركة العبور إلى أوروبا استثنائياً: ففي 2025 انطلق من ليبيا 89% من نحو 66 ألف شخص وصلوا عبر طريق وسط المتوسط.
وهذه المعطيات هي التي تجعل أي تغيير في شروط الوصول إلى الأراضي الليبية موضع متابعة من المهتمين بشبكات الهجرة.
ويرى الصحافي والخبير في قضايا الهجرة محمد الأمين خطاري، أن إعفاء الموريتانيين من التأشيرة ينبغي قراءته أولاً في سياقه الاقتصادي والمغاربي، مع عدم تجاهل احتمال محاولة شبكات تهريب المهاجرين استغلاله.
فالطريق التاريخي إلى ليبيا كان يمتد من بلدان الساحل عبر النيجر ومسالك صحراوية متعددة تدير أجزاء منها شبكات تهريب عابرة للحدود، قبل الوصول إلى الساحل الليبي والانطلاق باتجاه أوروبا.
وحسب الخبير الخطاري، فإن سهولة دخول حامل الجواز الموريتاني إلى ليبيا قد تجعل البلد نظرياً خياراً إضافياً لبعض الراغبين في الهجرة إلى أوروبا، لكنه يشدد على أن تحويل هذا الاحتمال إلى استنتاج بأن «طريقاً جديداً» قد فتح بالفعل ينطوي على مبالغة.
واستند الخبير في ذلك إلى محدودية نسبة الموريتانيين أصلاً ضمن تدفقات الهجرة البحرية مقارنة بالسنغاليين والماليين والغينيين وغيرهم من مواطني غرب إفريقيا والساحل.
وبالتالي، فإن المستفيد المباشر من القرار هو المواطن الموريتاني حصراً، وليس عشرات الجنسيات الإفريقية التي تشكل الجزء الأكبر من تدفقات الهجرة عبر المنطقة.
غير أن أهمية المسألة تكمن في الطبيعة المتحركة لخريطة الهجرة نفسها؛ فحين تتشدد المراقبة في طريق، تبحث شبكات التهريب والمهاجرون عن بديل؛ ولهذا تتقاطع في الجناح الغربي للمغرب العربي اليوم ثلاثة اتجاهات أساسية: الساحل الأطلسي عبر موريتانيا والمغرب نحو جزر الكناري؛ غرب المتوسط عبر المغرب والجزائر نحو إسبانيا؛ ووسط المتوسط عبر ليبيا وتونس نحو إيطاليا ومالطا، مع تنامي حركة من ليبيا باتجاه اليونان.
وتظهر بيانات المنظمة الدولية للهجرة حجم هذا التحول؛ ففي 2025 وصل 17,788 مهاجراً بصورة غير نظامية إلى جزر الكناري، مقابل 46,843 في 2024، أي بانخفاض بلغ 62%؛ لكن انخفاض التدفقات لم يجعل الطريق أكثر أمناً؛ فقد سجلت المنظمة 54 حادث غرق خلال العام، أودت بحياة أو أدت إلى فقدان 1,214 شخصاً.
وتبقى موريتانيا جزءاً محورياً من هذه الخريطة بحكم طول ساحلها وموقعها بين غرب إفريقيا والمغرب العربي؛ وفي 27 أغسطس وحده اعترض خفر السواحل الموريتاني قارباً يحمل 161 مهاجراً، بينهم 17 طفلاً، كان قد انطلق من غامبيا باتجاه جزر الكناري.
وهنا تظهر نقطة مهمة، وهي أن موريتانيا ليست فقط بلداً مصدراً للمهاجرين، بل أصبحت أيضاً بلد عبور بالنسبة إلى مهاجرين قادمين من عمق غرب إفريقيا.
هل تنتقل الضغوط من الأطلسي إلى المتوسط؟
ويمكن أن يدفع توازي تشديد الرقابة الموريتانية على طريق الكناري، مع الإجراءات المغربية والجزائرية والتعاون المتنامي مع أوروبا، شبكات التهريب إلى اختبار منافذ أخرى؛ لكن البيانات لا تسمح حتى الآن بالقول إن إلغاء التأشيرة الليبية للموريتانيين سيؤدي إلى تحويل ملموس للمسارات.
بل إن تدفقات المهاجرين إلى ليبيا نفسها انخفضت بنسبة 44% خلال الربع الأخير من 2025 مقارنة بالربع السابق، وربطت المنظمة الدولية للهجرة ذلك بتراجع الطلب الموسمي على العمالة وتشديد مكافحة التهريب وظروف البحر الشتوية.
ويحذر الخبير الخطاري، مع ذلك، من قدرة شبكات التهريب على تحويل أي تسهيل إداري إلى مادة دعائية؛ فهذه الشبكات، حسب تقديره، لا تبيع للمهاجر طريقاً فقط، وإنما تبيع له «إمكانية الوصول»، وتستغل الأخبار والقرارات وحتى المعلومات المضللة لإقناع مزيد من الأشخاص بخوض الرحلة.
وتبرز هنا المفارقة الأشد خطورة، وهي أن إعفاء الموريتاني من التأشيرة يعني أن الوصول القانوني إلى ليبيا أصبح أسهل، لكنه لا يجعل محاولة العبور منها إلى أوروبا أكثر أمناً.
فالمنظمة الدولية للهجرة تصف ليبيا بأنها بلد مقصد وعبور في الوقت نفسه، لكنها تشير أيضاً إلى مخاطر تشمل الاتجار بالبشر والعمل القسري والعنف والاحتجاز التعسفي، في ظل الانقسام المؤسسي وغياب منظومة متماسكة لإدارة الهجرة.
كما أن الوضع الداخلي للهجرة أصبح موضوعاً حساساً داخل المجتمع الليبي نفسه؛ ففي يونيو الماضي شهدت طرابلس احتجاجات ضد وجود المهاجرين، فيما تشير تقديرات حديثة إلى وجود أكثر من 900 ألف مهاجر في بلد لا يتجاوز عدد سكانه نحو سبعة ملايين نسمة.
لذلك فإن أي توسع محتمل في استخدام ليبيا محطةً للهجرة لن يرتبط فقط بالحدود الأوروبية، وإنما أيضاً بقدرة الدولة الليبية نفسها على إدارة كتلة بشرية مهاجرة كبيرة ومتنوعة.
وفي المحصلة، فإن قرار ليبيا إلغاء التأشيرة عن الموريتانيين يكشف عن وجهين متناقضين تقريباً؛ فالوجه الأول إيجابي: مواطن موريتاني أصبح قادراً على السفر إلى بلد مغاربي شقيق دون تأشيرة، في خطوة تعيد شيئاً من المعنى لفكرة اتحاد ظل مجمداً، وتفتح فرصاً للتجارة والعمل والتواصل الاجتماعي.
أما الوجه الثاني فهو أمني وإنساني: فالمنطقة المغاربية نفسها تحولت إلى الحزام الأخير الذي يفصل طرق الهجرة الإفريقية عن أوروبا، ولذلك أصبحت كل نافذة تفتح للحركة القانونية تخضع سريعاً لسؤال الهجرة غير النظامية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات