في خضم المحنة التي تمر بها الجزائر، تحولت مشاعر التضامن في موريتانيا إلى هبة شعبية ونخبوية واسعة، استحضرت عمق الروابط الأخوية والتاريخية التي تجمع البلدين.
ومن الشارع إلى رئاسة الجمهورية إلى النخب السياسية والثقافية والإعلامية، توحدت المواقف في التعبير عن الوقوف إلى جانب الجزائر، في مشهد أعاد إلى الواجهة ذاكرة التضامن بين الشعبين في مختلف المحطات.
وفي خضم هذه الفاجعة، وجّه الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني رسالة تعزية وتضامن إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، أعرب فيها عن بالغ حزنه وأساه إزاء الحرائق التي شهدتها عدة مناطق من الجزائر، وما خلفته من ضحايا ومصابين.
وقدم الغزواني، باسم موريتانيا وشعبها، أحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة والتضامن إلى الرئيس تبون، ومن خلاله إلى الشعب الجزائري الشقيق، ولا سيما أسر الضحايا.
ولم تحتج حرائق الجزائر هذه المرة إلى كثير من الوقت حتى يصل صداها إلى موريتانيا؛ فبينما كانت ألسنة اللهب تلتهم مساحات من الغابات وتخلّف ضحايا وخسائر في عدد من المناطق الجزائرية، بدأت في نواكشوط تتشكل حركة تضامن شعبية تجاوزت التعاطف على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مبادرة مفتوحة للنخب والمواطنين، حملت اسما يلخص رسالتها: «أشقاء في المحنة».
وتأتي هذه الهبّة في سياق موجة تضامن أوسع أثارتها الحرائق التي ضربت مناطق جزائرية خلال الأيام الأخيرة، ولا سيما في الشمال والشرق، وسط درجات حرارة مرتفعة ورياح ساعدت على انتشار النيران، وخلفت خسائر بشرية ومادية.
غير أن التضامن الموريتاني اكتسب بعدا يتجاوز اللحظة الإنسانية، إذ أعاد إلى الواجهة ذاكرة العلاقات بين الشعبين، ومسارا طويلا من التقارب السياسي والاجتماعي، في وقت تشهد فيه العلاقات الرسمية بين نواكشوط والجزائر توسعا ملحوظا في مجالات التجارة والطرق والتعاون الاقتصادي.
وأطلق ناشطون في المجتمع المدني ومثقفون موريتانيون مبادرة «أشقاء في المحنة» عقب الحرائق، بهدف تحويل مشاعر التعاطف الشعبي إلى تحرك منظم يحمل رسالة تضامن إلى الشعب الجزائري وأسر الضحايا.
وكان الناشط المدني محمد الأمين ولد الفاضل الذي يقود هذا الحراك، قد دعا في الثلاثين من أغسطس، الموريتانيين من مثقفين وسياسيين وكتاب وصحافيين ومدونين وفاعلين جمعويين ومواطنين، إلى الانخراط في المبادرة، مقترحا توجيه رسالة تضامن إلى الشعب الجزائري وأسر الضحايا، وتنظيم زيارة إلى السفارة الجزائرية في نواكشوط، إضافة إلى بحث إمكانية إطلاق قافلة إغاثة رمزية بالتنسيق مع الجهات المختصة في البلدين.
وسرعان ما تحولت الدعوة إلى ما يشبه حمّى تضامن شعبية، بعدما سجل المنظمون إقبالا واسعا من شخصيات تنتمي إلى مشارب سياسية ومهنية وأجيال مختلفة، إلى درجة أنهم أعلنوا صعوبة تحيين قوائم الموقعين بصورة منتظمة بسبب استمرار تدفق طلبات الانضمام.
ومن بين من ضمته قائمة المؤسسين التي يتواصل تحيينها، شخصيات من قطاعات متعددة، من بينها أخصائي جراحة الأطفال البروفسير يعقوب محمد اسغير، ونائب رئيس حزب الحركة الشعبية التقدمية فاطمة الرشيد صالح، والإطار المالي والمدون باب سيد أحمد سيداتي، والناشط الشبابي محمد أحمد سالم، إلى جانب أسماء أخرى يتواصل انضمامها.
وحدد القائمون على المبادرة الثامن من سبتمبر موعدا لتسليم اللائحة النهائية للموقعين إلى السفير الجزائري في نواكشوط، مع إبقاء باب الانضمام مفتوحا حتى ذلك التاريخ.
يبدو أن انتشار المبادرة مرتبط، أولا، بالطابع الإنساني للمأساة، لكنه يجد أيضا أرضية جاهزة في المخيال الشعبي الموريتاني بشأن الجزائر.
فالعلاقات بين البلدين لا تختزل في الجوار الجغرافي أو المصالح الحكومية، بل تراكمت حولها خلال عقود صور متبادلة عن القرب الثقافي والسياسي، فضلا عن حضور الجزائر في الذاكرة الموريتانية باعتبارها بلدا وقف إلى جانب موريتانيا في مراحل مبكرة من بناء الدولة.
ومن هنا يكتسب شعار «أشقاء في المحنة» معنى مزدوجا: التضامن مع الجزائريين في محنتهم الحالية، واستحضار مبدأ رد الجميل والتكافل بين بلدين جمعتهما في مراحل مختلفة تحديات بناء الدولة والاستقلال والتنمية.
وقد التقط رئيس مجلس الأعمال الجزائري الموريتاني يوسف غازي هذه الدلالة حين أشاد بالمبادرة، معتبرا أنها تعكس عمق الروابط الأخوية والتاريخية بين الشعبين، ومؤكدا أن الجزائريين لن ينسوا تضامن الموريتانيين معهم.
وتعيد هذه الموجة من التضامن إلى النقاش تاريخ العلاقات الموريتانية الجزائرية، وإن كان من الضروري هنا التمييز زمنيا بين مرحلتين: فقد استقلت موريتانيا في 28 نوفمبر 1960، بينما حصلت الجزائر على استقلالها في يوليو/تموز 1962؛ كما أصبحت موريتانيا عضوا في الأمم المتحدة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 1961، أي قبل استقلال الجزائر، بعد تصويت الجمعية العامة بـ 68 صوتا مؤيدا مقابل 13 معارضا و20 ممتنعا.
لذلك فإن المؤازرة الجزائرية لموريتانيا ارتبطت أساسا بالسنوات اللاحقة للاستقلال وبمرحلة تثبيت الدولة وبناء حضورها الإقليمي والعربي والإفريقي، وليس بمعركة قبولها في الأمم المتحدة نفسها.
وكانت الدولة الجزائرية المستقلة، التي خرجت من حرب تحرير طويلة، تنظر إلى دعم الدول الإفريقية الفتية وحركات التحرر باعتباره أحد ثوابت سياستها الخارجية؛ وهو توجه تؤكد الجزائر أنه تبلور منذ ستينيات القرن الماضي في مساندة مسارات التحرر والاستقلال الإفريقية. وفي المقابل، كانت موريتانيا نفسها، وهي دولة فتية تبحث عن تثبيت استقلالها، من الداعمين لحق الجزائريين في الاستقلال.
وهكذا تكشف العودة إلى البدايات أن العلاقة لم تكن في اتجاه واحد؛ موريتانيا ساندت القضية الجزائرية وهي دولة في عامها الأول، والجزائر المستقلة وجدت لاحقا في موريتانيا شريكا وجارا ضمن فضائها المغاربي والإفريقي.
وتفسر هذه الخلفية جانبا من الحساسية الشعبية العالية تجاه ما يصيب الجزائر، لكنها تتقاطع اليوم مع تحول آخر: انتقال العلاقات الموريتانية الجزائرية تدريجيا من دائرة الروابط السياسية التقليدية إلى شبكة مصالح اقتصادية وتجارية وإنسانية أوسع.
ولهذا يمكن قراءة مبادرة «أشقاء في المحنة» بوصفها الوجه الشعبي لمسار تقارب أصبح واضحا على المستوى الرسمي أيضا. وهي تحمل دلالة إضافية في فضاء مغاربي كثيرا ما ظلت علاقاته أسيرة الخلافات السياسية وتعثر مشروع اتحاد المغرب العربي.
ففي الوقت الذي يصعب فيه على المؤسسات المغاربية إنتاج تضامن إقليمي منظم، تتحرك المجتمعات أحيانا بصورة أسرع، وتعيد الكوارث الطبيعية تذكير شعوب المنطقة بأنها تتقاسم، إلى جانب التاريخ والجغرافيا، الأخطار نفسها أيضا: حرائق الغابات، والجفاف، والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة والظواهر المناخية المتطرفة.
لذلك فإن القيمة الأعمق لمبادرة «أشقاء في المحنة» قد لا تكون في عدد التوقيعات التي ستصل إلى السفارة الجزائرية يوم الثامن من سبتمبر/أيلول، بل في الرسالة التي تحملها تلك الأسماء.
فبعد أكثر من ستة عقود من بناء الدولتين، تعود العلاقات الموريتانية الجزائرية في لحظة إنسانية إلى أبسط معانيها: شعب يشعر بألم شعب آخر ويتحرك نحوه من خارج البروتوكول الرسمي.
تضامن شعبي موريتاني واسع في خضم محنة الحرائق التي تمر بها الجزائر

تعليقات الزوار
لا تعليقات