لم ينتظر النظام الجزائري طويلا للانتقال من البحث عن أسباب حرائق الغابات إلى البحث عن عقوبة مرتكبيها، إذ أمر الرئيس عبد المجيد تبون وزير العدل بإعداد تعديل عاجل لقانون العقوبات قبل 15 شتنبر المقبل، يتضمن إقرار عقوبة الإعدام مع التنفيذ بحق المتورطين عمدا في إضرام الحرائق، وهو القرار الذي يأتي بعد أيام من موجة نيران خلفت خسائر بشرية ومادية كبيرة، وفي وقت لم تكن فيه التحقيقات قد كشفت بعد، بصورة نهائية وعلنية، هوية من يقف وراء الحرائق أو تثبت وجود مخطط إجرامي واسع.
القرار، الذي قدم رسميا باعتباره ردا "حازما" على من يتعمد إشعال النيران، يفتح في المقابل نقاشا أوسع من حدود العقوبة الجنائية نفسها، يتعلق بالطريقة التي تدير بها الجزائر الكوارث الكبرى، وبالأسئلة التي يفترض أن تطرحها أي كارثة بهذا الحجم وهي كيف بدأت؟ لماذا انتشرت بهذه السرعة؟ وهل كانت الدولة مستعدة بما يكفي لمنع تحول الحرائق إلى مأساة جماعية؟.
ففي الوقت الذي انتقل فيه الخطاب الرسمي الجزائري سريعا إلى العقاب والبحث عن المتورطين، ظل السؤال المتعلق بالوقاية والاستثمار في منظومة مكافحة الحرائق أقل حضورا، رغم أن حرائق الغابات لم تعد ظاهرة استثنائية في الجزائر، بل أصبحت خطرا متكررا ومتزايدا بفعل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتدهور الغطاء النباتي وتغير أنماط انتشار الحرائق.
وهنا تبرز مفارقة لافتة، فالبنك الدولي، الذي أجرى تشخيصا لقطاع الغابات في الجزائر بالتعاون مع السلطات الجزائرية، خلص في يونيو الماضي إلى أن البلاد ما زالت تواجه اختلالات في هذا المجال، من بينها حاجة عدد من خطط إدارة الغابات إلى التحديث، وتجزؤ أنظمة البيانات، وفجوات في التنسيق بين المؤسسات، فضلا عن الحاجة إلى استثمارات إضافية في الإنذار المبكر والمراقبة والطرق ونقاط المياه والمعدات، بما فيها الكاميرات والطائرات المسيّرة.
المؤسسة الدولية أكدت أن ارتفاع درجات الحرارة وطول فترات الجفاف وتدهور الأراضي ساهمت في زيادة شدة الحرائق، وأن الجزائر سجلت، بين 1985 و2022، أكثر من 75 ألف حريق غابوي، بمعدل سنوي يقارب 35 ألف هكتار من المساحات المحترقة، وهو مايعني أن خطر الحرائق ليس حادثا استثنائيا ظهر فجأة، بل تهديدا متراكما كان يفترض أن يدفع نحو بناء منظومة دائمة للوقاية والاستباق.
والأكثر إحراجا أن المؤسسات الجزائرية نفسها لم تكن تجهل طبيعة المخاطر، فقد أكدت وزارة الداخلية الجزائرية، في وقت سابق من غشت، ضرورة استخلاص الدروس من تجربة الحرائق وتعزيز الوقاية والاستباق ورفع مستوى جاهزية مختلف المصالح وتحسين التنسيق وتطوير قدرات التدخل، خصوصا في ظل مخاطر مرتبطة بالتغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة، أي أن الحاجة إلى إصلاح منظومة الوقاية كانت مطروحة رسميا قبل أن تأتي موجة الحرائق الأخيرة لتعيد كشفها على نطاق أكثر قسوة.
وتتضح المفارقة أكثر في ملف حصيلة الضحايا، حيث بدت الرواية الرسمية منفصلة بشكل لافت عن الأرقام التي بدأت تتكشف على الأرض، فبعدما أعلن وزير الداخلية الجزائري السعيد سعيود في البداية وفاة 12 شخصا فقط، بينهم خمسة في جيجل وأربعة في بجاية وثلاثة في تيزي وزو، ظهرت خلال الأيام الموالية معطيات ومقاطع توثق دفن أعداد أكبر بكثير، إذ أُعلن بعدها عن حصيلة مؤقتة بلغت 73 وفاة.
ولم يكن خطاب "الأيادي الخفية" جديدا في هذه الأزمة، فقد قال تبون خلال تفقده المصابين إن وجود "أياد إجرامية" وراء الحرائق أمر غير مستبعد، مؤكدا أن التحقيقات ستكشف الحقيقة، كما تحدث عن اندلاع حرائق في أوقات متزامنة، معتبرا أن ذلك يثير التساؤلات.
وهذه النقطة تكتسب بعدا أكبر عندما توضع ضمن نمط أوسع في الخطاب الرسمي الجزائري، حيث غالبا ما تحضر فرضيات المؤامرة والجهات الخفية والأيادي الخارجية عند تفسير الأزمات الكبرى، بما يسمح بنقل مركز النقاش من مساءلة الأداء المؤسساتي إلى البحث عن خصم أو متآمر، وفي حالة الحرائق، يمكن أن يؤدي هذا المنطق إلى نتيجة سياسية مريحة وهي إذا كان الحريق مؤامرة، فإن السؤال يصبح حول "من أشعل النار؟" بينما يتراجع السؤال الأكثر إزعاجا "هل كانت الدولة مستعدة بما يكفي عندما اشتعلت؟".

تعليقات الزوار
لا تعليقات