أخبار عاجلة

ماذا وراء زيارة الرئيس الصيني للعاصمة المصرية؟

مرة أخرى تتكرر المأساة المألوفة: الولايات المتحدة تقصف أهدافاً عسكرية في إيران بطريقة “محدودة ودقيقة”. وطهران ترد بطريقة محسوبة بالصواريخ والمسيرات على القواعد الأمريكية في الأردن والعراق والبحرين والكويت. وإسرائيل تستعد لرد محتمل في حالة سقوط صاروخ أو مسيرة إيرانية، سواء بالخطـأ أو بشكل متعمد، على أراضيها. من خلال إعلان محير لوزير الدفاع إسرائيل كاتس (“هم يحبون الهجوم في الأعياد اليهودية لأنهم يكرهون اليهود”)، يصعب استخلاص أي استنتاج حول رد إسرائيل، وما هي الشروط الأساسية لتنفيذه، وما إذا كان كاتس يستطيع وبحق أن يعد بأنه “إذا هاجمونا فسنرد بقوة كبيرة، بغض النظر عن أي جهة أخرى”.

تترافق هذه المناوشات مع تغريدات تهديد من ترامب حول “ضربة أمريكية قاسية” متوقعة لإيران. ولكن إيران ترد بتحذير يفيد بأن استراتيجيتها الجديدة، “في الحرب الدبلوماسية والتعامل مع الحصار الاقتصادي ستضر بأعدائها”، كما قال محسن رضائي، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي أمس. ولكن في الخطابات العامة، يصعب تحديد ملامح استراتيجية جديدة حقيقية، سواء إيرانية أو أمريكية، تتجاوز كونها مناوشات عنيفة ومحدودة لا تؤدي إلى أي قرار.

حتى فترة قريبة، ظهر أن تحركات ترامب تهدف إلى إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط يمليها هو نفسه، وعلى رأسها فتح مضيق هرمز دون قيود. ولكن الرئيس أصدر مؤخراً تصريحات جديدة تفيد بأن أي اتفاق مع إيران لن تكون له أي اهمية. في المقابل، إيران، التي أعلنت في 18 تموز عن تجميد مذكرة التفاهم بسبب خروقات أمريكية، هي التي تسعى الآن إلى العودة إليها. ويأتي هذا في إطار شروط مسبقة تشمل وقف الحرب في كل الجبهات (بما في ذلك لبنان)، وانسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران، والتزام مسبق بتعويضها عن الأضرار التي لحقت بها، وبالطبع رفع الحصار الاقتصادي الجديد. هذه الشروط جاءت بالفعل في المذكرة التي وقع عليها ترامب، لكن البعض منها يفترض تنفيذه بعد التوقيع على الاتفاق وليس كشرط للمفاوضات.

تواصل باكستان وقطر محاولة تقريب وجهات النظر بينهما، وهي وجهات نظر أوسع بكثير من عرض مضيق هرمز حتى في هذه الأيام. ويقدر أن هذا الجهود لم تكن لتستأنف لولا الضوء الأخضر من الولايات المتحدة. يجد ترامب نفسه في موقف لا تضمن فيه الحرب الاقتصادية التي أعلنها على إيران نتائج فورية، بل تفاقم الانقسام الداخلي بين قيادة طهران؛ بين من يدعون إلى العودة إلى المفاوضات التي تقوم على مذكرة التفاهم وبين من يطالبون بموقف حازم رغم تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.

في وسط هذا التشابك الدبلوماسي، يجب التنويه إلى لاعب هام جداً لم يتحدث بعد، قد يملك مفتاح الحل. فقد وصل الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة الثلاثاء الماضي بمرافقة زوجته في زيارة لثلاثة أيام. رسمياً، تعتبر هذه الزيارة رداً على زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتهدف إلى توسيع التعاون الاقتصادي والعسكري بين الدولتين. تحتفل الدولتان بمرور سبعين سنة على العلاقات بينهما، وقد أقامتا علاقات واسعة منذ تولي السيسي للحكم، بما في ذلك اتفاق تعاون استراتيجي وقع في 2014، الذي دشن ما يعرف في مصر بـ “العقد الذهبي”. وقد أنقذت الصين مصر من أزمة اقتصادية شديدة عندما أودعت حوالي 2 مليار دولار في البنوك المصرية في 2016 لتعزيز احتياطها من العملة الأجنبية، الذي كان ضرورياً للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي. واستثمرت بكين حوالي 8 مليارات دولار في مشاريع في منطقة التجارة الحرة الموسعة في قناة السويس، وساهمت في بناء العاصمة الإدارية الجديدة، وتدير آلاف الشركات الصينية في مصر.

في السنة الماضية، اشترت مصر منظومة دفاع جوية من الصين، ويجري الجيشان المصري والصيني مناورات مشتركة، كان آخرها في نهاية الشهر الماضي وسيستمر في هذا الشهر. يتوقع أثناء الزيارة الحالية أن توقع مصر والصين على اتفاق تستثمر الصين بحسبه مليارات الدولارات في إنشاء مراكز للذكاء الاصطناعي، وتزود مصر بـ 2000 رقائق متقدمة لتطوير البنى التحتية للقطاع المدني والعسكري، إضافة إلى توسيع مشتريات مصر العسكرية من الصين.

لكن زيارة الرئيس الصيني لمصر ليست استعراضاً للصداقة والتبادل التجاري فحسب؛ فمصر تمثل منصة لعرض حضور الصين في منطقة يتراجع فيها النفوذ الأمريكي. يصل الرئيس الصيني إلى القاهرة بعد اجتماع قادة الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، الذي عقد في قرغيزستان، حيث التقى فيه مع الرؤساء التركي والروسي والإيراني. وحسب التقارير، أوضح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للرئيس الصيني بأن النظام مستعد للعودة إلى مذكرة التفاهم إذا انضمت الولايات المتحدة، لكن لم يعرف إذا كان قد طلب من الصين التدخل. وتشير تقارير أخرى إلى أن دول الخليج هي التي تشجع الصين على لعب دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة بعد فشل وساطة باكستان.

يتوقع أن يلتقي الرئيس الصيني مع ترامب في واشنطن بعد شهر تقريباً، عقب اللقاء السابق بينهما في بكين في أيار الماضي، وأن تساعد الصين في فتح مضيق هرمز، أو على الأقل الموافقة على تقليص نشاطاتها الاقتصادية مع إيران، لا سيما مشتريات النفط. ولكن الرئيس الأمريكي عاد خالي الوفاض.

وأفيد أمس بأن الرئيس الصيني قال أثناء لقائه مع السيسي إن الصين “مستعدة للعمل مع دول المنطقة لحماية أمن الممرات الملاحية، وتعزيز التعاون التنموي والقضاء على بؤر الصراع”. والصين التي لم تشارك حتى الآن في أي تحالف عسكري إقليمي لحماية الملاحة في الخليج الفارسي أو في البحر الأحمر، لا تنوي إرسال قوات تدخل عسكرية في الوقت الحالي. إضافة إلى ذلك، يستنتج من تصريحات الرئيس الصيني بأنه إذا قرر التدخل فسيفعل ذلك من خلال الحوار مع دول المنطقة وليس مع الولايات المتحدة. وأكد شي جين بينغ بوضوح: “علينا التمسك بمبدأ سيادة شعوب الشرق الأوسط على شؤونهم ومعارضة التدخل الخارجي، ودعم دول المنطقة في تعزيز الحوار حول قضايا السلام والأمن”.

من ناحية الإمكانيات، تمتلك الصين بصفتها أكبر مشترية للنفط الإيراني، نفوذاً كبيراً على إيران. وفي الوقت نفسه، تصدر الصين التكنولوجيا العسكرية والمدنية لطهران باستخدام العملة المحلية، متجاوزة بذلك نظام الدولار. وفي العام 2021 وقعت الدولتان على اتفاق غير مسبوق للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي بمبلغ 400 مليار دولار تقريباً على مدى 25 سنة، ولم ينفذ منه إلا القليل بسبب خوف الصين من العقوبات الأمريكية. أيضاً تقدم الصين دعماً سياسياً لإيران، حيث أدانت بشدة الحرب الاقتصادية التي شنها ترامب، وهددت باتخاذ إجراءات إذا أضرت الولايات المتحدة بمصالحها.

يبدو أن واشنطن تأخذ تحذيرات الصين على محمل الجد. فحتى الآن، امتنعت عن إدراج شركات وبنوك صينية كبيرة في قائمة المرشحين للعقوبات. والسؤال المطروح الآن إذا كان هذا التفاعل الدبلوماسي بين القوتين سيؤدي إلى تعاون سياسي يفتح مضيق هرمز.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات