أكد رئيس النيجر عبد الرحمن تشياني أن الوضع في بلاده أصبح “تحت السيطرة التامة”، في اتصال هاتفي أجراه معه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في وقت كانت فيه الجزائر قد دفعت بأربع طائرات قتالية من طراز “سوخوي سو-30” إلى العاصمة نيامي، استجابة لطلب القيادة النيجرية، عقب محاولة تمرد عسكري شهدتها العاصمة خلال الأيام الأخيرة.
وجاء الاتصال بين تبون وتشياني الذي أعلنت عنه الرئاسة الجزائرية الإثنين، في وقت بدأت فيه السلطات النيجرية استعادة السيطرة على المواقع التي تعرضت لإطلاق النار والانفجارات، وسط تأكيد الرئيس النيجري أن محاولة زعزعة الاستقرار تم إحباطها. وأبلغ تشياني نظيره الجزائري أن الأوضاع تحت السيطرة، في حين أكد تبون استمرار دعم الجزائر للنيجر وشعبها ومؤسساتها.
وكانت وزارة الدفاع الجزائرية قد أعلنت، الأحد، وصول أربع طائرات مقاتلة من نوع “سوخوي سو-30” إلى مطار نيامي، مرفوقة بطائرة للتزود بالوقود جواً. ويتعلق الأمر بدوريتين جويتين تضم كل واحدة منهما طائرتين، في خطوة قالت الوزارة إنها جاءت استجابة لطلب القيادة النيجرية وفي إطار تعزيز التعاون الاستراتيجي بين البلدين، خصوصاً في المجال العسكري
وتشكل هذه الخطوة أبرز تطور في التعاون العسكري الجزائري-النيجري خلال الفترة الأخيرة، بالنظر إلى طبيعة المعدات العسكرية التي تم إرسالها ومكان انتشارها، في وقت تواجه فيه نيامي محاولة انقلاب جديدة على النظام العسكري الذي يحكم البلاد منذ انقلاب يوليو 2023.
وبحسب المعطيات التي نقلتها وكالة “أسوشيتد برس” عن التلفزيون الرسمي النيجري ومصادر دبلوماسية ومحللين، بدأت الأحداث خلال الساعات الأولى من السبت، عندما سُجل إطلاق نار وانفجارات في عدة مواقع بالعاصمة، من بينها قاعدة عسكرية تقع داخل مطار ديوري هاماني الدولي، بالقرب من القصر الرئاسي.
وأشارت المعلومات المتداولة إلى أن مجموعة من الجنود الشباب شاركت في محاولة التمرد، قبل أن تتدخل قوات الأمن لاستعادة السيطرة على المواقع المستهدفة. وتحدثت التقارير عن مقتل واعتقال عشرات الجنود، في حين لم تكن طبيعة الخسائر قد اتضحت بشكل مستقل في الساعات الأولى، كما لم تتوفر في البداية معطيات نهائية بشأن جميع المواقع التي استعادت القوات الحكومية السيطرة عليها.
ويقود المجلس العسكري بقيادة تشياني إدارة النيجر منذ الإطاحة بالرئيس محمد بازوم في يوليو 2023، في وقت تواجه البلاد نشاطاً متزايداً لجماعات مسلحة في مناطق مختلفة، خصوصاً في المناطق القريبة من الحدود مع مالي وبوركينا فاسو.
وكانت الجزائر منذ الساعات الأولى للأحداث، قد سارعت إلى إدانة ما وصفته بـ”الأحداث المؤسفة والمستنكرة” في نيامي، مع إعلان التضامن مع السلطات النيجرية والتحذير من أي محاولة للمساس باستقرار البلاد. وجاء إرسال الطائرات المقاتلة ليضيف بعدا عمليا إلى الموقف الجزائري، بعدما اقتصر التحرك في السابق بصورة أساسية على المواقف السياسية والاتصالات والتعاون الأمني.
وتندرج الخطوة ضمن مسار تقارب أوسع بين الجزائر والنيجر. ففي الأيام الأخيرة، شاركت الجزائر بالتعاون مع سلطات نيامي في عملية تحرير مواطن ألماني كان مختطفاً في النيجر، ونُقل عبر قاعدة عين قزام إلى الجزائر قبل تسليمه إلى السلطات الألمانية. كما أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية في وقت سابق تسليم الجيش النيجري هبة عسكرية تضمنت أربع مروحيات، بينها مروحيتان من طراز “مي-24 في” ومروحيتان من طراز “مي-171″، إضافة إلى الذخائر وقطع الغيار ومعدات الصيانة والدعم اللوجستي.
وتأتي هذه التحركات في سياق اهتمام جزائري متزايد بأمن منطقة الساحل، التي ترتبط بها الجزائر بحدود برية واسعة، خصوصا مع النيجر ومالي. وتزامن ذلك مع تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية في دول المنطقة وتنامي حضور قوى خارجية فيها، ما جعل التطورات في الساحل أكثر ارتباطاً بالحسابات الأمنية الجزائرية.
ويكتسب إرسال الطائرات المقاتلة رمزية خاصة في ضوء التحول الذي طرأ خلال السنوات الأخيرة على العقيدة العسكرية للجزائر التي لم تكمن تسمح بمشاركة الجيش الجزائري في مهام خارج الحدود. وقد أقر دستور 2020 إمكانية إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج في إطار مهام حفظ السلام، وفق شروط دستورية، بينها موافقة البرلمان.
ويرى الخبير العسكري أكرم خريف أن أهمية الخطوة الجزائرية لن تتحدد فقط بعدد الطائرات التي وصلت إلى نيامي، وإنما بما سيحدث بعد انتهاء الأزمة الحالية. ويعتبر أن مغادرة طائرات “سوخوي” للنيجر سريعاً ستجعل العملية أقرب إلى “عرض تضامن” عسكري لافت، بينما بقاؤها في نيامي وتعزيز الترتيبات اللوجستية وانضمام وسائل أخرى إليها سيعني، بحسب تقديره، بداية ظهور قدرة جزائرية على إقامة حضور عسكري متقدم في منطقة الساحل.
ويطرح خريف، في هذا السياق، سؤالاً يتعلق بتحول القوة العسكرية الجزائرية من قوة تتركز أساساً داخل الحدود إلى أداة ذات امتداد إقليمي. ويرى أن وصول الطائرات إلى نيامي يعني أن المجال الاستراتيجي الجزائري بات يمتد عملياً مئات الكيلومترات جنوب الحدود، وأن تطورات المنطقة ستفرض على الأطراف الأخرى أخذ القدرة الجزائرية على التدخل في الحسبان.
ويذهب رئيس حزب جيل جديد جيلالي سفيان إلى قراءة الخطوة من زاوية أخرى، تقوم على ضرورة انتقال الجزائر من الاكتفاء بالمواقف المبدئية إلى الدفاع المباشر عن مصالحها في محيطها الإقليمي. ويقول إن احترام سيادة الدول وعدم التدخل وتسوية النزاعات سياسياً تظل مبادئ أساسية في السياسة الخارجية الجزائرية، لكنه يعتبر أن التحولات التي تشهدها المنطقة تجعل التمسك بالحياد في بعض الظروف غير كاف لحماية المصالح الجزائرية.
ويرى سفيان أن تدهور الأوضاع في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، من حيث انعدام الأمن والإرهاب وضعف المؤسسات والصعوبات الاقتصادية، يجعل الجزائر غير قادرة على التعامل مع منطقة الساحل باعتبارها فضاءً بعيداً عن أمنها المباشر. ويعتبر أن الجزائر أمام خيارين، إما مراقبة تدهور الأوضاع بما يؤدي تدريجيا إلى فقدان عمقها الاستراتيجي، أو التحرك لدعم الأطراف التي يمكنها العمل معها والدفاع عن مصالحها.
ويربط سفيان هذا التوجه أيضا بالعلاقة الجزائرية الروسية، معتبراً أن التعاون العسكري الطويل بين البلدين يمكن أن يشكل عاملاً ضمن إعادة ترتيب موقع الجزائر في الساحل، من دون أن يعني ذلك، بحسب طرحه، الاصطفاف خلف موسكو أو التخلي عن استقلالية القرار الجزائري.
وتلتقي هذه القراءة مع فكرة الاستباقية في التعامل مع التطورات المحيطة بالحدود الجنوبية، خاصة مع تشديد الجزائر على رفض تحويل المنطقة إلى ساحة نفوذ لقوى خارجية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات