أمرت السلطات المغربية، السبت طاقمي التلفزيون الإسباني العمومي TVE ووكالة الأنباء الإسبانية EFE بمغادرة مدينة الفنيدق، حيث كانا يغطيان محاولات جديدة للهجرة غير النظامية نحو سبتة المحتلة. وما إن صدر القرار حتى انطلقت في إسبانيا موجة من الاحتجاج والنواح الإعلامي، وجرى تقديم الواقعة على نطاق واسع باعتبارها اعتداء على حرية الصحافة، في مشهد كشف بسرعة حجم الكيل بمكيالين الذي يطبع التعامل الإسباني مع هذا الملف.
المشكلة ليست في أن تدافع مؤسسة إعلامية عن صحفييها، وإنما في أن يتحول هذا الدفاع إلى ضجيج سياسي وإعلامي عندما يتعلق الأمر بصحفيين إسبان، ثم يختفي تماما تقريبا عندما يكون المستهدف صحفيا مغربيا. وهذا تحديدا ما حدث خلال الأيام السابقة للقرار المغربي، وفي المنطقة نفسها التي تحولت منذ أسابيع إلى مسرح لحملة إعلامية إسبانية كثيفة ضد المغرب.
قبل واقعة الفنيدق، كانت السلطات الإسبانية قد منعت طاقما للقناة الثانية المغربية 2M من دخول سبتة وممارسة عمله الصحفي، وحجزت معدات التصوير ومنعت الطاقم من التغطية. وأدانت النقابة الوطنية للصحافة المغربية الواقعة واعتبرتها تضييقا على العمل الصحفي وحق الوصول إلى المعلومة.
والمفارقة أن وكالة EFE نفسها، التي يحتج طاقمها اليوم على القرار المغربي، أشارت في تغطيتها إلى القيود التي فرضتها السلطات الإسبانية على طاقم القناة الثانية.
ولم يتوقف الأمر عند المنع، ففي 14 أغسطس/اب، تعرض الصحفي زيد حمدون، مراسل موقع 'هبة بريس'، لاعتداء جسدي من طرف عناصر من الشرطة الإسبانية أثناء تغطيته أوضاع المهاجرين داخل مركز للصليب الأحمر في سبتة المحتلة.
ووفق المعطيات الموثقة بشأن الاعتداء، تعرض الصحفي للدفع والتعنيف والسحب من ملابسه رغم تعريفه بصفته الصحفية وحصوله على إذن بالتصوير، فيما أظهرت صورة التقطت له عقب الواقعة آثارا واضحة للاعتداء على مستوى عنقه.
كما صودر جواز سفره مؤقتا قبل إعادته إليه. وعلى إثر ذلك، أدانت النقابة الوطنية للصحافة المغربية الاعتداء وطالبت بفتح تحقيق، محذرة من حالات المنع والمضايقة التي يتعرض لها صحفيون مغاربة في سبتة. كل ذلك مر في إسبانيا من دون أن نرى التعبئة نفسها، ولا العناوين نفسها، ولا حالة الاستنفار التي ظهرت فور إبعاد صحفيين إسبان من الفنيدق.
هنا تسقط الأقنعة، إذا كانت حرية الصحافة مبدأ، فهي لا تتجزأ بحسب جنسية الصحفي. وإذا كانت إسبانيا تريد الاحترام الكامل لصحفييها في المغرب، فعليها أولا أن تقبل القاعدة نفسها عندما يتعلق الأمر بالصحفيين المغاربة. أما تحويل حرية الصحافة إلى امتياز أحادي الاتجاه، فليس دفاعا عن المهنة، بل ممارسة واضحة لازدواجية المعايير.
المغرب دولة ذات سيادة، ويتعامل مع شركائه بمنطق الندية والمعاملة بالمثل. وهذه القاعدة لا تعني العداء للصحافة الإسبانية ولا التضييق عليها، وإنما تعني ببساطة أن الصحفي المغربي ليس أقل قيمة من نظيره الإسباني، وأن ما ترفضه مدريد على صحفييها لا يمكنها أن تعتبره أمرا عاديا عندما يقع على مغاربة.
هذه الازدواجية نفسها ظهرت بصورة أكثر خطورة خلال تغطية أحداث سبتة ومليلية المحتلتين، فعلى امتداد الأسابيع الماضية، انخرطت منابر إسبانية في حملة إعلامية شعواء حمّلت المغرب مسؤولية موجات الهجرة، وروجت سرديات عن 'الحرب الهجينة' و'الابتزاز' وعمليات استخباراتية وانتقام مزعوم، حتى عندما كانت المعطيات الرسمية الإسبانية نفسها تتحدث عن دور شبكات الاتجار بالبشر وتشيد بالتعاون المغربي في منع آلاف محاولات العبور.
لم يكن المطلوب في أجزاء واسعة من تلك التغطية فهم ما حدث بقدر ما كان البحث عن سردية جاهزة تضع المغرب في قفص الاتهام. وكل معلومة أو إشاعة أو فرضية تخدم هذه السردية كانت تجد طريقها إلى العناوين، بينما جرى التعامل بانتقائية مدهشة مع الوقائع التي لا تخدمها.
وأبرز تلك الوقائع ما تعرض له مهاجرون بعد وصولهم إلى سبتة، فقد انتشرت تسجيلات وشهادات مباشرة توثق مشاهد عنف وضرب وتهديد وسوء معاملة ارتبطت بعناصر من الشرطة والحرس المدني والجيش الإسباني. كما تحدث المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن آثار ضرب وندوب عاينها على أجساد عائدين، وعن شهادات متعددة بشأن سوء المعاملة والاعتداء، فضلا عن ملاحقات واعتداءات استهدفت مهاجرين وقاصرين.
ومع ذلك، لم نشاهد ماكينة الغضب الإعلامي نفسها. لم تتحول صور مهاجرين عزل يتعرضون للضرب إلى قضية إسبانية كبرى، ولم يظهر الحماس نفسه للتحقيق والمساءلة. وبدل أن توجه الكاميرات إلى ما تفعله القوات الإسبانية داخل سبتة، واصلت أجزاء من الإعلام البحث خلف الحدود عن أي مادة يمكن توظيفها ضد المغرب. كان ذلك صمتا واسعا يصل، في بعض الحالات، إلى درجة العمى المهني.
المفارقة أصبحت اليوم أكثر فجاجة. الإعلام الذي غض الطرف عن الاعتداء على صحفيين مغاربة وعن مشاهد عنف بحق مهاجرين، يرفع فجأة راية حرية الصحافة لأنه طُلب من صحفيين إسبان مغادرة منطقة مغربية. والإعلام الذي أمضى أسابيع في صناعة سرديات الاتهام ضد المغرب يطلب الآن من الرباط أن تتعامل معه كما لو أن ما جرى للصحفيين المغاربة لم يحدث.
حرية الصحافة ليست بطاقة امتياز إسبانية، والسيادة المغربية ليست موضوعا للتفاوض تحت ضغط حملات إعلامية. ومن يريد معاملة قائمة على الاحترام، فعليه أن يبدأ باحترام الصحفي المغربي، وحقه في العمل، وكرامته وسلامته. أما النواح الانتقائي، فإنه لا يدافع عن الصحافة بقدر ما يفضح ازدواجية من يرفعه.

تعليقات الزوار
لا تعليقات