ترك قرار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في أيلول/سبتمبر المقبل، من وراءه العديد من التفسيرات المتضاربة حول أسباب هذا الإعلان المفاجئ، خاصة أن بيان الرئاسة جاء خاليا من المبررات التي تقطع حبل التأويلات.
مبدئيا، لا يوجد إشكال قانوني في تنظيم انتخابات مسبقة، فالدستور يعطي في المادة 91 منه هذه الصلاحية لرئيس الجمهورية في المطلق وبمعزل عن أي ظرف أو طارئ يتعلق بشغور منصب الرئيس مثل المرض أو العجز أو غيرها من الحالات. غير أن النظام السياسي في الجزائري، كان أحرص ما يكون منذ بدء التعددية الحزبية ثم تجاوز فترة الأزمة الأمنية، على إجراء الانتخابات في موعدها لتقديم رسالة للداخل والخارج بأنه مستقر سياسيا.
لذلك، كان للإعلان عن تنظيم انتخابات مسبقة وقع خاص تفاعل معه كثيرون بآراء وتخمينات مختلفة. وانقسمت القراءات عموما حول قرار الرئيس، بين من رأى هذا الإجراء تقنيا أملته ضرورات موضوعية تتعلق بصعوبة إجراء انتخابات في شهر كانون الأول/ديسمبر وبين من اعتبره سياسيا مع اختلاف حاد في الطرح أيضا بين أصحاب هذا الرأي، ومن قال بأن هناك جوانب تقنية وسياسية تدخلت معا في القرار.
وذكرت الآراء التي اعتبرت القرار تقنيا أن الرئيس فضل العودة إلى الزمن الانتخابي المناسب، بسبب طبيعة شهر كانون الثاني/ديسمبر الذي لا تساعد ظروفه المناخية الباردة، وقصر أيامه على توفير ظروف أفضل للناخبين للتوجه إلى مراكز الاقتراع.
أما النائب في البرلمان أحمد ربحي، فقال إن التقديم راجع لتاريخ إعداد ميزانية الدولة التي يجب تقديمها قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2024 والتصديق عليها قبل 31 كانون الأول/ديسمبر 2024، لأن التاريخ الأول سيصطدم بعدة معوقات تؤثر على حسن سير مرافق الدولة.
وعليه، أضاف النائب أن تقديم تاريخ الانتخابات إلى 7 أيلول/سبتمبر 2024 واستدعاء الهيئة الناخبة قبل 3 أشهر- أي 8 حزيران/جوان 2024 طبقا لمواد القانون العضوي للانتخابات، يخدم استمرارية مؤسسات الدولة ويحترم المركز القانوني لمنصب رئيس الجمهورية.
وخارج الزاوية التقنية، رأى أكبر حزب في البلاد، جبهة التحرير الوطني المحسوب على الموالاة المساندة للرئيس، أن هذا “القرار السيادي ترجمة للحرص الدائم على الحفاظ على المواعيد الانتخابية الدستورية واستقرار المؤسسات واحترام إرادة الشعب الجزائري الحرة والسيدة في انتخاب من يحكمه في انتخابات تعددية شفافة ونزيهة وفي أجواء ديمقراطية”.
رد على المشككين
وأعربت جبهة التحرير الوطني عن ارتياحها للقرار وغلّفته بقراءة سياسية تقول إنه “في الوقت الذي كانت فيه بعض الابواق الاعلامية خارج الوطن تروج لتأجيل الانتخابات الرئاسية ها هي الجزائر تسكت كل من يشكك في أنها دولة مؤسسات ونموذج مثالي في الديمقراطية واحترام الدستور بالإعلان عن انتخابات رئاسية مسبقة خلال الثلث الأخير في هذه السنة”.
وأبرز الحزب أنه “سيكون قوة داعمة لانجاح هذا الحدث الوطني الكبير والذي سيكون محطة كبرى لتعزيز التحول المشهود الذي تعيشه بلادنا في مختلف المجالات”، داعيا “كل القوى الفاعلة، أحزابًا ومجتمعًا مدنيًا وفواعل اجتماعية وكل مكونات النخبة في بلادنا إلى جعل هذا الاستحقاق الوطني الهام موعدًا جديدًا لجزائر منتصرة، قوية بمؤسساتها وشعبها وجيشها العتيد”.
وعلى نفس المنوال، قدّم ثاني أكبر حزب في الموالاة، التجمع الوطني الديمقراطي، عبر أمينه العام مصطفى ياحي، قراءة تقول إن القرار جاء بمثابة الرد الصريح على المشككين والأبواق الزارعة للشك، حيث جاء الجواب أن “الجزائر دولة مؤسسات ودولة دستور” واعتبر المسؤول الحزبي أن إجراء انتخابات رئاسية مسبقة القرار يضمن “استمرار الإصلاحات التي شرع فيها الرئيس تبون منذ وصوله سدة الحكم علاوة عن استمرارية دولة المؤسسات”.
ويقصد حزبا الموالاة بالمشككين، مقالات ظهرت قبل أيام في عدة مواقع زعمت أن الانتخابات ستؤجل عن موعدها، واعتبرت ذلك دليل أزمة في نظام الحكم بالجزائر، وهو ما ردّت عليه وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية في مقال له بأن ”الانتخابات ستجرى في موعدها المنصوص عليه في الدستور احتراما للدستور وللشعب الجزائري الوحيد صاحب السيادة”. واتهمت الوكالة أتباع المخزن (تقصد النخبة الحاكمة بالمغرب) بنشر أكاذيب عن الجزائر.
زيارة فرنسا
وهناك من رأى من جانب آخر، أن تقديم موعد الرئاسيات له علاقة بزيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى فرنسا والتي أعلن قبل أيام أنها ستكون في نهاية أيلول/سبتمبر، وولّد ذلك حينها قراءات مستغربة لهذا التوقيت الذي يأتي قبل موعد الانتخابات بشهرين فقط، ما قد يحرج الرئيس ويفتح عليه باب تأويل هو في غنى عنه. وذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن تقديم موعد الرئاسيات سيجعل الرئيس تبون يزور فرنسا وهو رئيس للجمهورية في عهدته الثانية.
لكن في حال كان فعلا هذا السبب، يقول الكاتب نجيب بلحيمر إن اختيار توقيت زيارة تبون لفرنسا في نهاية أيلول/سبتمبر، يعكس “القناعة بأن تبون باق في منصبه، وأن الانتخابات لن تغير في الأمر شيئا”. وأضاف في تحليله أن “حملة العهدة الثانية بدأت منذ وقت غير قصير، وقرار تقديم تاريخ إجراء الانتخابات دليل آخر على أن اللعبة مغلقة ولن تترك حتى فرصة التعلم لدعاة المشاركة من أجل التغيير”.
ومن القراءات الأخرى المتداولة، تشبيه السيناريو الحالي بما حدث في فترة الرئيس اليامين زروال الذي أعلن عن انتخابات رئاسية مسبقة سنة 1998. وكتب الصحفي المختص في الشأن السياسي حميد غمراسة، أن الرئيس اليامين زروال في 11 أيلول/سبتمبر 1998 أعلن اختصار عهدته، وكان ذلك بمثابة قرار صريح بالاستقالة من وظيفة رئيس الجمهورية، لكنه بقي في المنصب لمدة 7 أشهر متجاوزا بذلك الدستور، الذي ينص على ترتيبات محددة في حال استقالة الرئيس.
وفي اعتقاد غمراسة فإن الرئيس عبد المجيد تبون فعل نفس الشيء، مع فارق أنه لم يصرح بزهده في عهدة ثانية، وهو ما يجعله في حكم رئيس مستقيل، من الناحية الدستورية، لأنه أعلن عن تقليص ولايته، وفق الصحفي. لكن في الواقع، وفق من اعترضوا على هذا الرأي، توجد اختلافات كثيرة بين التاريخين، أولها أن دستور ذلك الوقت لم يكن ينص على انتخابات مسبقة وأن زروال أعلن استقالته، في حين أن تبون يملك صلاحية دستورية بإعلان انتخابات مسبقة دون شروط كما أنه لم يعلن استقالته أو عدم نيته في الترشح، بل كل المؤشرات تؤكد توجهه لعهدة ثانية.
طريقة الإعلان
وبسبب تعدد هذه القراءات، هناك من رأى صيغة الإعلان عن القرار غير موفقة. ومن هؤلاء المرشح الوزير السابق والمحتمل بلقاسم ساحلي الذي ذكر حزبه التحالف الوطني الجمهوري في بيان له إنه “كان من الأفضل بل ومن الضروري، ومع احترام متطلبات الأمن القومي للبلاد (عند الاقتضاء) مرافقة هذا القرار بأقصى درجات الشفافية الممكنة من أجل شرح وتوضيح مبررات ودوافع هذا القرار للرأي العام الوطني، لا سيما عبر توجيه خطاب للأمة من طرف رئيس الجمهورية، تفاديا لتعريض المواطنين إلى التأويلات المغلوطة من هنا أو هناك، أو الدفع بهم إلى استقصاء المعلومات ذات الصلة من مصادر غير موثوقة أو مشبوهة لا سيما من خارج الوطن”.
واعتبر الحزب بأن قرارا استثنائيا مثل هذا، كان من المستحسن توسيع الاستشارة القبلية بخصوصه لا سيما مع الطبقة السياسية باعتبارها المعني الأول بأي عملية انتخابية ذات بعد وطني، وكذا إعلامها بهذا القرار مباشرة بعد صدوره وقبل نشره للرأي العام الوطني، وذلك “احتراما للمكانة التي من المفترض أن تتمتع بها الأحزاب السياسية ضمن النسق المؤسساتي للجمهورية، وترسيخا لثقافة الحوار والتشاور التي من المفيد دوما الحفاظ عليها بينها وبين سائر المؤسسات الرسمية للدولة، مع تفادي التعامل بازدواجية مع هذه الأحزاب، لا سيما عبر تسريب المعلومات ذات الصلة لفائدة طرف بعينه، وجعله يستغل هذا الحدث الاستثنائي استغلالا سياسويا مؤسفا وسخيفا”، وفق البيان.
تعليقات الزوار
لا تعليقات