أخبار عاجلة

تصعيد قضائي في ليبيا وتحذيرات من المساس باستقلال المحكمة العليا

شهد المشهد القضائي في ليبيا تصعيدًا غير مسبوق أعاد إلى الواجهة إشكالية تجاوز الصلاحيات الدستورية وتداخل السلطات في ظل استمرار الانقسام السياسي وتعثر المسار الانتقالي وجاءت التطورات الأخيرة على خلفية تصريحات وتحركات اعتُبرت من قبل أطراف قضائية وسياسية مساسًا مباشرًا باستقلال القضاء ووحدة مؤسساته ما فتح بابًا واسعًا للجدل حول مستقبل الرقابة الدستورية وحدود تدخل السلطة التشريعية في الشأن القضائي وسط تحذيرات محلية ودولية من تداعيات هذه التجاوزات على استقرار الدولة.
في هذا السياق، أكد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح خلال جلسة عقدها المجلس أن الرقابة على دستورية القوانين باتت حاجة ملحّة أكثر من أي وقت مضى في ظل كثرة التشريعات وتشابكها وما قد يترتب على ذلك من مخاطر إعلان بعض القوانين أو أجزاء منها غير دستورية واعتبر صالح أن مجلس النواب يملك اختصاص تنظيم القضاء مشددًا على أن هذا الدور لا يمثل تدخلًا في أعمال السلطة القضائية أو استغلالًا لها.
وأوضح أن ولاية المحكمة العليا في النظر في دستورية القوانين قد انتهت، مشيرًا إلى أن الدائرة الدستورية في المحكمة العليا كانت حسب وصفه سببًا في تعميق الانقسام الليبي بسبب حكمها القاضي بعدم دستورية الفقرة 11 من المادة 30 من الإعلان الدستوري وذهب إلى اعتبار رئيس المحكمة العليا المستشار عبد الله بورزيزة خصمًا في بعض الملفات الأمر الذي يستوجب وقفه عن العمل.
وشدد رئيس مجلس النواب على أن حل الأزمة الليبية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر انتخاب رئيس جديد للبلاد، معتبرًا أن إنشاء محكمة دستورية لا يشكل انتهاكًا لمبدأ الفصل بين السلطات بل يهدف إلى إيجاد جهة مستقلة تتولى الرقابة على دستورية القوانين، مؤكدًا أن هذه الرقابة ستسهم في تنظيم أداء المؤسسات الديمقراطية والحفاظ على وحدة المنظومة القانونية وصون الحريات ومنع التعسف، لافتًا إلى أن غالبية الدول تعتمد قضاءً متخصصًا للرقابة الدستورية.
في المقابل، أثارت هذه التصريحات موجة واسعة من ردود الفعل محليًا ودوليًا، إذ أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن قلقها إزاء النزاع المتصاعد المتعلق بالقضاء الدستوري معتبرة أن هذا النزاع يشكل خطرًا حقيقيًا على وحدة واستقلال ونزاهة القضاء الذي يمثل إحدى الركائز الأساسية لقيام الدولة الموحدة ودعت البعثة جميع الأطراف إلى الامتناع عن أي إجراءات من شأنها تعميق الانقسامات داخل المؤسسة القضائية أو إطلاق تصريحات استفزازية مشددة على أهمية ضبط النفس في ظل حالة الانقسام السياسي الراهنة وحثت الجهات القضائية والسياسية على الانخراط في حوار بنّاء يفضي إلى حل هذه الإشكالية بطريقة تحافظ على وحدة القضاء واستقلاله مؤكدة استعدادها لدعم أي جهود توافقية تعزز سيادة القانون.
واستهجنت الجمعية العمومية للمحكمة العليا تصريحات رئيس مجلس النواب ووصفتها بأنها تمثل مساسًا خطيرًا بسمعة رئيس المحكمة ونزاهته وتشكل سابقة خطيرة تهدف إلى تقويض استقلال القضاء وأكدت أن مجلس النواب يظل بموجب الإعلان الدستوري سلطة مؤقتة وأن اختصاصه التشريعي مقيد بمتطلبات المرحلة الانتقالية ولا يمتد إلى إنشاء محكمة دستورية باعتبار ذلك شأنًا دستوريًا أصيلًا لا يملكه البرلمان، وشددت على أن التدخل في شؤون القضاء تحت ذريعة إعادة التنظيم يزرع بذور الانقسام داخل المؤسسة القضائية.
ونفت صحة الادعاءات القائلة بأن المحكمة العليا تقضي بعدم دستورية جميع القوانين الصادرة عن مجلس النواب، موضحة أن عدد القوانين التي قُضي بعدم دستوريتها لم يتجاوز عشرة تشريعات فقط خلال أحد عشر عامًا واعتبرت وصف المحكمة بأنها محكمة نقض وإنكار حجية أحكامها ضربًا لأركان العدالة، مؤكدة أن واجبها الوطني يفرض عليها الاستمرار في أداء دورها الرقابي وأن أبوابها ستظل مفتوحة أمام الطعون الدستورية لحماية الحقوق والحريات وكبح ما وصفته بتغوّل السلطة التشريعية.
بدورها، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية دعمها الكامل لموقف المحكمة العليا معتبرة أن أي محاولات للضغط عليها أو التأثير في عملها تمثل تحريضًا صريحًا على خرق الإعلان الدستوري ومبادئ الدولة، وشددت على أن استقلال القضاء يشكل حجر الأساس لأي مسار ديمقراطي، محذرة مجلس النواب وكافة الأطراف من مغبة تجاوز الحدود الدستورية للصلاحيات لما لذلك من مخاطر قد تعيد البلاد إلدائرة الفوضى وتقوض المسار السياسي التوافقي ودعت بعثة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى رصد هذه التجاوزات والوقوف بوضوح إلى جانب استقلال القضاء الليبي باعتباره الضمانة الأساسية لتحقيق العدالة واستقرار الدولة.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات