ينتظر أن ينطلق الحوار الوطني في الجزائر مع اعتماد قانون الأحزاب الجديد، وفق ما أعلنه الرئيس عبد المجيد تبون. ويعد هذا الحوار الموعود منذ أكثر من سنة أحد التزامات الرئيس بعد إعادة انتخابه على رأس البلاد سنة 2024، في وقت تترقب فيه الأحزاب ملامح المرحلة المقبلة مع بدء سنة 2026.
وفي خطابه الموجه إلى الأمة أمام البرلمان بغرفتيه بقصر الأمم بنادي الصنوبر في اليوم ما قبل الأخير من سنة 2025، جدد الرئيس عبد المجيد تبون، التزامه الصريح بإجراء هذا الحوار، مؤكدا أنه لا يزال متمسكا بما تعهد به سابقا. وأضاف موضحا: “التزمت من هذا المنبر بحوار سياسي مع الأحزاب ولا زلت ملتزما به، مثلما صرحت وشرحت لبعض رؤساء الأحزاب الذين استقبلتهم”.
وأوضح الرئيس الجزائري أن الانطلاق الفعلي في هذا الحوار سيكون “ريثما يصادق البرلمان على قانون الأحزاب”، معتبرا أن هذا الشرط يشكل الإطار القانوني الضروري لفتح النقاش السياسي مع التشكيلات الحزبية. ووصف تبون الحوار المرتقب بأنه “سيكون بناء”، مؤكدا في الوقت نفسه التزامه “بتطبيق كل ما يتم الاتفاق عليه مع الأحزاب”، في إشارة إلى طابع عملي وتعهد بتنفيذ مخرجات هذا المسار.وكان مجلس الوزراء الأخير قد صادق على مشروع قانون الأحزاب، ما يعني قرب نزوله للبرلمان من أجل المناقشة والمصادقة.
وفي الخطاب نفسه، ربط الرئيس تبون الحوار السياسي بمسار الإصلاحات التي قال إن الدولة ماضية فيها على مختلف الجبهات. وأكد عزمه على مواصلة هذه الإصلاحات رغم ما وصفه بمحاولات التشويش من الداخل والخارج، مضيفا: “لن تثنينا عن غاياتنا الصعوبات ولا التشويش في الداخل ولا الخارج”.
وأشار الرئيس إلى أن الإصلاحات الجارية تشمل مختلف القطاعات المعنية بتجسيد برامج التنمية الاجتماعية والتكفل بالحاجيات الأساسية للمواطن، مبرزا أن الهدف منها هو “ضمان النجاعة والشفافية وتكريس قواعد الحوكمة، بالشعب ومن أجل الشعب، مع محاربة الفساد”.
وفي هذا الإطار، جدد التأكيد على أن “العدالة ستكون بالمرصاد لكل مظاهر الفساد وأنواع الإخلال بالواجب المهني وتأدية المسؤوليات، مع توفير الحماية لإطارات الدولة ومستخدميها النزهاء”. كما ذكّر بمراجعة القانون الأساسي للقضاء، معتبرا أن ذلك يأتي “تجسيدا لالتزاماتنا تجاه رجال ونساء القطاع”.
وبالتوازي مع خطابه أمام البرلمان، وجّه الرئيس عبد المجيد تبون تهنئة إلى الشعب الجزائري بمناسبة حلول السنة الميلادية الجديدة 2026، عبّر فيها عن تفاؤله بالسنة المقبلة. وأكد أن العام الجديد سيكون “فخرا ورفعة لكل الجزائريين بما حققته سواعد الرجال وتضحياتهم في مختلف الميادين”، معتبرا أن هذه الجهود سمحت للجزائر بأن “تبلغ مصاف الدول الناشئة بكل أمان”.
وكان الرئيس تبون قد عرض رؤيته للحوار الوطني في لقاء تلفزيوني سابق، مبرزا أنه سيتناول قضايا تتعلق ببناء الديمقراطية الحقة ومراجعة القوانين التي تؤطر عمل مؤسسات الدولة العصرية، على أن تتم هذه المراجعات بإشراك الأحزاب من أجل تعميق الطابع التشاركي للعمل السياسي.
في المقابل، عبّرت شخصيات معارضة، عن مواقف داعية للإصلاح في تهاني السنة الجديدة. ففي رسالته، ربط رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، تهنئته بتشخيص سياسي للوضع الداخلي، قائلا إن الحزب سيبقى “وفيا لنضاله من أجل الديمقراطية، ودولة القانون، والعدالة الاجتماعية”، في ظل ما وصفه بـ”الأزمات وتراجع الحريات في الجزائر”.
وأكد رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أن سنة 2026 “يجب أن تكون سنة الصحوة الوطنية والتغيير السياسي السلمي”، دون الإشارة إلى آليات محددة، مكتفيا بتأكيد خط الحزب المعارض ومواقفه المعلنة.
ويتقاطع الحديث عن الحوار الوطني مع النقاش الدائر حول التعديل التقني للدستور، والذي أعلن عنه بشكل مفاجئ قبل نهاية السنة، قبل أن يتم إرجاؤه في مجلس الوزراء الأخير من أجل تعميق دراسته، إلى جانب إرجاء المصادقة على تعديلات قانون الانتخابات. وأوضح بيان مجلس الوزراء أن الرئيس عبد المجيد تبون أمر بتأجيل هذا التعديل بهدف “تعزيز المكسب الديمقراطي الانتخابي الذي تمثله السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات”.
وذهبت بعض القراءات السياسية إلى إمكانية أن يكون هذا التعديل الدستوري متزامنا مع الحوار الوطني، لتحقيق أكبر قدر من التوافق حوله، خاصة أن الانتخابات التشريعية والمحلية المقبلتين، ستشهدان مشاركة واسعة من كل الأطياف السياسية حتى تلك التي دأبت على المقاطعة في السنوات السابقة.
وحول طبيعة التعديل المقترح، يمكن تلمّس بعض الإشارات في تصريحات الرئيس تبون في سبتمبر الماضي، عندما كشف عن مراجعة بعض الجوانب التقنية في قانون الانتخابات، إلى جانب إدخال تعديلات على مهام السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات. وذكر حينها إمكانية تعديل مهام هذه السلطة حتى تتفرغ لمهمتها الأساسية المتمثلة في السهر على شفافية ونزاهة الاستحقاقات، مقابل إعادة مهمة التحضير المادي للعملية الانتخابية إلى وزارة الداخلية. والمعروف أن السلطة الوطنية للانتخابات مهامها محددة دستوريا ما يعني أن أي تغيير في صلاحياتها يتطلب المرور على تعديل دستوري جزئي.

تعليقات الزوار
لا تعليقات