كلما طرأ حديث عن المرأة، في الجزائر، تتصاعد أصوات رجال وتتداخل فيما بينها، يصير كلامهم نشازا، لا نعرف من نصدق ومن نفند. في حين يتوارى صوت النساء، لا يسمح لهن باعتلاء مسرح الكلام وإبداء رأيهن، مع أن الأمر يتعلق بهن، ويمس حياتهن. ذلك ما حصل في الأيام الاخيرة الماضية، بعدما رفعت الجزائر تحفظها على الفقرة الرابعة من المادة 15، من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وهي اتفاقية اعتمدتها الأمم المتحدة عام 1979. كما إنها اتفاقية انضمت إليها الجزائر، مع تحفظ، ثم رفعت التحفظ عن الفقرة الرابعة، التي جاء فيها: «تمنح الدول الأطراف الرجل والمرأة الحقوق نفسها في ما يتعلق بالقانون المتصل بحركة الأشخاص وحرية اختيار محل سكناهم وإقامتهم». هذه الجملة القصيرة كانت سبباً في اندلاع زوبعة من الجدل، ومن الأقاويل والأقاويل المضادة.
وبعض الأحزاب السياسية، التي لم نسمع لها صوتا إزاء المحن التي تمر بها البلاد، بعدما ابتلعوا ألسنتهم، ولم نسمع لهم صوتا حيال المشقة التي تواجه المواطن، خرجوا ـ فجأة ـ من جحورهم. لا يريدون تفويت الصيف من غير إثارة السجال. ويعلمون أن كل سجال من شأنه أن يرفع من حصة أصواتهم في انتخابات مقبلة. لذلك استغلوا رفع التحفظ عن هذه الفقرة من الاتفاقية من أجل تحييد الرأي العام عن القضايا الأساسية، وأعلنوا عدوا جديدا/ قديما: هو المرأة.. شرعوا في الشجب وفي التنديد وفي التعبير عن تفاجئهم، وكذلك سخطهم، بل منهم من رأى في الأمر علامة على تفكك الأسرة، وأن رفع التحفظ من شأنه هدم المجتمع.
نعم، فقرة قصيرة من شأنها هدم مجتمع بحجم الجزائر، هكذا يفكرون. بينما لوح آخرون بضرورة التحفظ على الفقرة، مرة أخرى، بحكم أنها تمس ثوابت الأمة، وتتعارض مع الدين. وآخرون قدروا أن الدولة عليها أن تحكم بقوانين مستمدة من الشريعة، وليس من الأمم المتحدة، وكأن الجزائر تعيش خارج الكون، أو أنها في عزلة عن الاتفاقيات الدولية. هذا الجدل زاد في تغذيته ناشطون على السوشيال ميديا، من بينهم من لوح بأن الاتفاقية في مجملها اتفاقية ليبرالية، لا تتوافق مع الثقافة الجزائرية، وكأن الجزائر بلاد تعيش في سنين الظلمة، ومنهم من أشهر سلاح التخويف، بالقول إن رفع التحفظ عن الفقرة المذكورة سوف يؤدي إلى تفكك الأسرة، وأن البلاد في طريقها إلى الانسلاخ عن قيمها وثقافتها.
الغريب في هذا المشهد، الذي تبادل فيه الأدوار ساسة وناشطون على السوشيال ميديا، أن الكلام ظل حكرا على الرجال، هم وحدهم من يعلقون، يلوحون بالشجب أو التخويف، من رفع الحظر على الفقرة الرابعة من المادة 15 من الاتفاقية. يعلون من أصواتهم ويكررون كلماتهم.. يستخدمون مصطلحات، وكأن البلاد أقبلت على فعل مخلٍ بالحياء. بينما ظل صوت المرأة غائبا، بل إن المرأة في حد ذاتها لم يسمح لها بالظهور، فصارت غير مرئية. مع العلم أنها المعنية بالموضوع، وكان من الأجدر أن تتقدم المشهد، وأن تبدي رأيها، بما ينفعها أو يضرها.
يذكرنا هذا المشهد بما حصل قبل ما يربو عن أربعة عقود، عندما جرى التصويت، للمرة الأولى، على قانون الأسرة في الجزائر. وهو قانون يمس حريات النساء في حالتي العزوبية أو الزواج. وقد جرى التصويت على هذا القانون في البرلمان، في جلسة لم تحضر فيها أكثر من أربع نساء. وجدن أنفسهن في مواجهة عشرات الرجال، رفعوا أيديهم بالموافقة على ما جاء في القانون، والذي خدم ذكوريتهم وجعل المرأة قاصرا، مهما بلغت من مرتبة علمية. فرض عليها الطاعة وعدم الجدال. ولحسن الحظ فقد خضع قانون الأسرة إلى تعديلات في السنين الأخيرة، وهذا شأن القوانين في المجمل، يتم التصويت عليها، ثم تدرج فيها تغيرات، حسب تغير الأزمنة أو الحسابات السياسية.
لكن في الأيام الماضية، لم تحضر المرأة في الجدل بشأن رفع الحظر عن فقرة هذه الاتفاقية، بل وجدت نفسها في موقع المتفرج إزاء البيانات والتصريحات التي توالت، صارت لاعباً ثانويا في مسألة تخصها وحدها بالدرجة الأولى. ونصب الرجل كالعادة نفسه ولياً لأمرها، يتكلم باسمها في غيابها، هو من ينوب عنها في القرار وفي ما يتعلق بحريتها، بل إن أحد الأحزاب الدينية، وعلى الرغم مما يتمتع به من قاعدة نسوية واسعة، من بين مناضليه، ظل يحتكر فيه الرأي رجل. كان بوسعه أن يفوض واحدة من اللجان النسوية في الحزب قصد إبداء رأيها، لكن زعيم الحزب، يبدو أنه لا يثق في النساء. لم يفكر في استشارتهن، لأن المرأة مهمتها ملأ المقاعد الخلفية في الحزب، ومهمتها الأخرى ملأ صناديق الانتخابات عند الحاجة. هذه المرأة التي يجري الاحتفاء بها في مناسبات فلكلورية، كل عام، في احتفالات لا تدوم أكثر من يوم واحد، ثم نغلق الباب خلفها، لأن شؤونها يناقشها رجال ولا تتم استشارتها فيها. هذه المرأة التي نتذكر أنها شاركت في حرب التحرير، مثلما شاركت في سنين العشرية السوداء، في مواجهة الجماعات الإرهابية، قبل أن نعيدها إلى صمتها، ولا نتيح لها الخوض في شؤون تتعلق بحريتها، وفق اتفاقية اعتمدتها الأمم المتحدة.
إذا نزلنا إلى الشارع، فإن الفقرة 2 من المادة 15 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، لا تتعارض مع الواقع. بحكم أن قانون الأسرة قد أدخلت عليه تعديلات، مثلما أسلفنا القول، بما أن المرأة الجزائرية تتمتع بالحق في اختيار محل سكنها وإقامتها. كما إنها تتمتع بحق التنقل داخل البلاد أو خارجها، من غير الحاجة إلى إذن أو وصي. بالتالي يبدو من المستغرب هذا الجدل الذي اندلع في الأيام الأخيرة. ويمكن تبريره بأنه خوف من المرأة، خوف من أن تعتلي مقدمة المشهد، أو أنها محاولة من بعض الأحزاب، التي فقد المواطن ثقته فيها، من أجل الخروج من سباتها. ففي كل مرة يتوارى فيها حضور حزب، يبدأ بالبحث عن جدل، من أجل لفت الأنظار إليه. ولا يوجد أفضل من مواضيع تخص المرأة من أجل جذب الانتباه. بينما هذه الأحزاب يبهت حضورها أو ينعدم صوتها عندما يتعلق بقضايا تمس حياة المواطنين وشؤونهم اليومية.
سعيد خطيبي
تعليقات الزوار
لا تعليقات