أخبار عاجلة

احتقان وتوتر في قطاع النقل بالجزائر بسبب الزيادات المفاجئة في أسعار الوقود

يشهد قطاع النقل في الجزائر، منذ أيام، حالة من التوتر والاحتقان، على خلفية الزيادات المفاجئة في أسعار الوقود واقتراب دخول قانون المرور الجديد حيز التطبيق، في ظل تلويح نقابات مهنية بخيارات تصعيدية في حال لم يتم الاستجابة لمطالبها.

وقد انعكس هذا الوضع مباشرة على يوميات المواطنين، وطرح مخاوف من اضطراب الخدمة العمومية، خاصة مع حساسية الظرف المرتبط ببداية السنة الجديدة والدخول المدرسي، ما دفع السلطات إلى فتح قنوات حوار مع الشركاء الاجتماعيين لمحاولة احتواء الأزمة وتفادي اتساع رقعتها.

وفي هذا السياق، كشفت النقابة الوطنية للناقلين بسيارات الأجرة عن انتزاع ما وصفته بمطالب مهمة، عقب مفاوضات جمعتها بالحكومة، أبرزها الزيادة في تسعيرة النقل ومراجعة بعض تدابير قانون المرور الجديد. وأوضحت النقابة في بيان لها، أن هذه القرارات جاءت بعد اجتماع عقد الجمعة 2 كانون الثاني/ يناير، بمقر وزارة النقل، مع الأمين العام لوزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل، بحضور ممثلين عن القطاع.

وذكر البيان أنه بعد نقاش مطول ومسؤول، تم التوصل إلى اتفاق بمباركة السلطات العليا في البلاد، وعلى رأسها وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل والوزير الأول، يقضي بالزيادة في تسعيرة النقل بصفة رسمية. كما أشار إلى الاتفاق على تعديل قانون المرور بما يراعي خصوصيات ومطالب مهنيي القطاع، إلى جانب دعم قطاع النقل باتخاذ إجراءات مرافقة من شأنها تحسين أوضاع الناقلين والسائقين المهنيين.

وعلى ضوء هذه النتائج، دعت النقابة الوطنية للناقلين بسيارات الأجرة كافة منتسبيها ومنخرطيها إلى العودة إلى العمل، والمساهمة في إنجاح الدخول المدرسي، والتحلي بروح المسؤولية، مع التأكيد على تسبيق مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

وجاءت هذه الدعوة في وقت كان القطاع يشهد فيه حالة احتقان متزايدة، حيث ظهرت دعوات لشن إضرابات واحتجاجات من طرف سائقي سيارات الأجرة وناقلين آخرين، احتجاجا على ما اعتبروه تضييقا على نشاطهم وتهديدا لمصدر رزقهم.

غير أن أصداء اجتماع النقابة مع السلطات لم تمر دون ردود فعل، حيث أصدرت منظمة حماية المستهلك منشورا توضيحيا، نفت فيه أن تكون الزيادة في تسعيرة نقل الأجرة رسمية كما أبرزه بيان النقابة، مؤكدة أنها ستخضع للتفاوض.

وذكرت المنظمة أن أي زيادة محتملة ستكون توافقية، في حال إقرارها، ولن تكون قرارا أحاديا من جهة الناقلين. وأكدت أنه لا توجد، إلى غاية الآن، زيادة رسمية كما تم التصريح به، داعية إلى توخي الدقة في نقل المعلومة، وطمأنة المواطنين.

وكان الناقلون قد عبّروا، في مواقف سابقة، عن رفضهم لتدابير قانون المرور الجديد، التي تتضمن، حسبهم، عقوبات صارمة قد تصل إلى السجن النافذ في حق السائقين المهنيين، معتبرين أن هذه العقوبات لا تراعي خصوصية نشاطهم وظروف عملهم اليومية، ولا تفرق بين الأخطاء المهنية البسيطة والمخالفات الجسيمة.

إلى جانب ذلك، فاقمت الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود من حدة الخلاف داخل قطاع النقل، حيث أكد الناقلون أن هذه الزيادات ستؤثر بشكل مباشر على تكاليف النقل وهوامش الربح، سواء بالنسبة لنقل الأشخاص أو نقل البضائع، ما دفعهم للمطالبة بمراجعة هذه التدابير والتخفيف من انعكاساتها على مردودية مهنتهم.

وفي خضم ذلك، دخلت الشركة الوطنية لتسويق وتوزيع المنتجات البترولية “نفطال” على الخط، حيث دعت في بيان لها، ناقلي الوقود وغاز البترول المميع المتعاقدين معها إلى استئناف التموين فورا، تفاديا لأي اضطراب في أداء مهمتها المتعلقة بضمان الخدمة العمومية. وحذرت نفطال من إمكانية فسخ عقود الناقلين ومتابعتهم قضائيا في حال عدم استئنافهم النشاط، مؤكدة تسجيلها اختلالا في الالتزامات التعاقدية بين الطرفين.

وشددت الشركة على أن الناقلين مطالبون بالوفاء بالتزاماتهم التعاقدية قبل لجوئها إلى أي إجراءات تقع حصريا على عاتقهم، مشيرة إلى أن هذا البيان التحذيري جاء عقب رفض بعض الناقلين ضمان تموين مستودعات الوقود وغاز البترول المميع بالمنتجات الضرورية منذ الأربعاء الماضي، في سياق الاحتجاجات الجارية.

وتعود خلفية هذا الوضع إلى الزيادات المفاجئة في أسعار الوقود التي أقرت مع بداية السنة الجديدة، والتي أثارت جدلا واسعا في الجزائر ومخاوف من تأثيرها على كلفة النقل وأسعار المواد الاستهلاكية.

وبحسب مراسلة رسمية صادرة عن سلطة ضبط المحروقات، فقد تم تحيين أسعار الوقود المطبقة على مستوى محطات التوزيع ابتداء من 1 يناير 2026، حيث حدد سعر البنزين بدون رصاص بـ47 دينارا للتر الواحد (0.3 دولار) بدل 45.6 دينار، وسعر المازوت بـ31 دينارا للتر بدل 29.01 دينار، فيما حدد سعر غاز البترول المميع الموجه للسيارات بـ12 دينارا للتر بدل 9 دنانير، وهي أسعار تشمل كل الرسوم.

كما تضمن نفس الإشعار تحديد هوامش التوزيع بالتجزئة، التي بلغت 3.51 دينار للتر بالنسبة للبنزين، و2.93 دينار للتر بالنسبة للمازوت، و3.76 دينار للمتر المكعب بالنسبة لغاز البترول المميع، وهو ما اعتبره مهنيون مراجعة طال انتظارها لهوامش الربح. وفي هذا الإطار، عبّر الاتحاد الوطني للمستثمرين ومالكي ومستغلي محطات الخدمات والوقود عن ابتهاجه بما وصفه بمكسب تاريخي، معتبرا أن الزيادة في هامش الربح تشكل إنجازا نوعيا بعد مسار طويل من المطالب المهنية.

في المقابل، عبّرت النقابة الوطنية للناقلين بسيارات الأجرة عن استيائها مما آلت إليه أوضاع قطاع النقل البري بمختلف نشاطاته، معتبرة أن تراكم الأعباء، من تطبيق قانون المرور الجديد إلى الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود، زاد من تعقيد وضعية المهنيين وعمق معاناتهم.

تحفظ حزبي

وفي ردود الفعل السياسية، أكدت جبهة القوى الاشتراكية رفضها للزيادات المفاجئة في أسعار الوقود وتطبيق قانون المرور الجديد بصيغته الحالية، معتبرة أن ما يجري يعكس اختلالات عميقة في نمط تسيير الشأن العام، وذلك في بيان أصدرته عقب اجتماع موسع لقيادتها الوطنية.

وأوضحت الجبهة وهي حزب معارض، أنها ترفض بشكل قاطع الزيادة المفاجئة التي فُرضت منذ اليوم الأول من السنة الجديدة، دون إشعار مسبق أو نقاش، وفي غياب أي تبرير شفاف، معتبرة أن هذا القرار الأحادي يمثل تنصلا واضحا من الالتزامات الرسمية للدولة المتعلقة بحماية القدرة الشرائية ومكافحة التضخم.

واعتبر الحزب أن هذا الإجراء اتُّخذ خارج أي إطار ميزانياتي واضح، ما يجعله، حسبها، غير عادل اجتماعيا وذا آثار اقتصادية بالغة الخطورة، كونه سيصيب الأسر الجزائرية مباشرة ويغذي دوامة تضخمية ذات آثار سلبية ودائمة. وأضاف البيان أن هذا الخيار يكرّس الارتجال كنهج في التسيير الاقتصادي، ويغذي ما وصفه بالوهم النقدي على حساب الاستقرار الاجتماعي الحقيقي، في ظل توقع التهام الزيادات الأخيرة في المعاشات والأجر الوطني الأدنى المضمون بفعل عودة التضخم.

وبخصوص قانون المرور الجديد، سجل الحزب بأسف بالغ، ما اعتبره تأكيدا لسياسة الارتجال والترقيع المؤسساتي، مشيرا إلى أن اعتماد هذا النص تم على عجل من طرف المجلس الشعبي الوطني، دون أي تشاور مع الفاعلين المعنيين، وهو ما أدى، حسب البيان، إلى حركة إضراب واسعة النطاق.

كما اعتبر أن التراجع المتسرع للسلطات العمومية عقب اجتماعات تدارك مع ممثلي النقابات، وما رافقه من وعود، يؤكد غياب الاستشراف والرؤية الشاملة في تسيير الشأن العام، لكون هذه القرارات تمس مباشرة بالقدرة الشرائية للمواطنين. وأشار البيان إلى أن هذا التخبط يبرز، مرة أخرى، حدود حوكمة تُدار بمنطق اليوم بيوم، مع غياب التقييم المسبق للآثار الاجتماعية والاقتصادية للقرارات، إلى جانب إضعاف المؤسسات، من خلال سلطة تنفيذية تنفرد بالفعل والقرار دون رؤية أو استراتيجية متكاملة، وبرلمان ينصاع لإرادة السلطة التنفيذية ويتخلى عن صلاحياته الدستورية في الرقابة والتشريع.

من جانب آخر، عبّرت الجبهة عن رفضها القاطع لأي نص أو إجراء يكرّس إسقاط الجنسية الجزائرية الأصلية، معتبرة أن مثل هذه التدابير تتعارض مع المبادئ العالمية لحقوق الإنسان، وتنطوي على مخاطر خلق حالات انعدام الجنسية، بما في ذلك بالنسبة لأبناء المعنيين، وهو ما تحظره الاتفاقيات الدولية، خاصة في سياق قالت إنه يشهد تصاعدا مقلقا في الملاحقات القضائية المرتبطة بالنشاط السياسي والرأي.

كما جدّدت القوى الاشتراكية نداءها من أجل الفتح الفوري للمجالين السياسي والإعلامي، مطالبة بالإفراج دون تأخير عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، واعتبرت ذلك إجراءً بديهيا يهدف إلى التهدئة وبعث الثقة، إلى جانب الدعوة لإلغاء كافة القوانين المقيّدة للحريات.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات