ابتسمت وأنا أستمع إلى أحد مشجعي الفريق السوداني لكرة القدم بعد هزيمة فريقه أمام الفريق الجزائري في الدورات الأخيرة – لم أعد أذكر إن كانت العربية بالدوحة أو الافريقية بالمغرب – وهو يصرح بأن الفريق السوداني لم يلعب ضد فريق الجزائر، بل ضد فريق مكون من نصف بلدان أوروبا. وهو يذكر مدنا فرنسية يكون أعضاء الفريق الجزائري مولودين فيها، حسب الأخ السوداني الغاضب من النتائج التي حققها فريق بلده. بنبرة يفهم منها التشكيك في مدى وطنية هؤلاء الشباب من أعضاء الفريق الوطني لكرة القدم، وتمثيلهم للجزائر الذين فضلوا اللعب لصالحها، بدل اللعب في الفرق الوطنية للبلدان الأوروبية التي ولدوا فيها، وحملوا جنسيتها وتعلموا اللعبة فيها، بكل ما يمكن أن يوفره لهم من إمكانيات.
بقي هؤلاء مصرين على جنسيتهم الجزائرية الأصلية، التي حصلوا عليها مباشرة من الأب أو الأم، ما يسمح لهم باللعب للفريق الوطني الجزائري، سهلته حكاية الجنسية الرياضية التي ابتكرتها المؤسسات الرياضية الدولية، تزامنا مع هذه التحولات الديموغرافية التي يعيشها العالم، بالإضافة لما تتيحه من تسهيلات إمكانية منح المرأة الجزائرية جنسيتها لأبنائها، التي قررها المشرع الجزائري منذ 2006 تزامنا مع هذا التنوع الديموغرافي الذي دخلته العائلة الجزائرية، من باب الهجرة الدولية التي بدأت في التوسع في السنوات الأخيرة، نحو آفاق جديدة تجاوزت فيها الحالة الفرنسية المعروفة تاريخيا نحو بلدان وقارات جديدة، مازال الإعلام الرسمي الجزائري يرفض القبول بها كواقع، ونحن نلاحظ كيف يتجنب التذكير بأسماء هؤلاء الشباب، غير المألوفة عند الحالة الجزائرية بأسمائها التقليدية ونكهتها الدينية الواضحة.
خيارات اللعب لصالح الفريق الوطني الجزائري التي يقوم بها هؤلاء الشباب ووسطهم العائلي، لا تخلو من اعتبارات مرتبطة بالمصلحة في بعض الأحيان، نتيجة تحسن أداء الفريق الوطني الجزائري، وتحقيقه للكثير من النجاحات، وازدياد الاهتمام المالي به من قبل السلطات العمومية وهي تحاول استعماله في أكثر من اتجاه، كمنوم للجماهير وحافز للحمة الوطنية في وقت الشدة، خاصة عندما يكون أمام استحقاقات دولية، كما هو الحال هذه السنة والسنة المقبلة مع بطولة العالم.
المصلحة الفردية لدى هؤلاء الرياضيين الشباب، التي لا تعني بالضرورة غياب الحافز الوطني القوي لدى هذا الجيل الثاني، وربما الثالث من أبناء الهجرة الجزائرية، التي ميزت الحالة الجزائرية بكل التحولات السوسيوـ ديموغرافية والفكرية، التي عرفتها قبل وبعد استقلال الجزائر، في بلد عرف استعمارا استيطانيا لم تعش مثله الحالة العربية، إذا استثنينا التجربة الفلسطينية القاسية، لدى أجيال من الجزائريين انطلقت مباشرة بعد دخول القوات العسكرية الفرنسية للجزائر، ليزيد منسوبها بمناسبة الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وفي أوقات الأزمات التي كان يحتاج فيها الاقتصاد الفرنسي إلى يد عاملة رخيصة.
هجرة تميزت على الدوام بطابع شعبي واضح، اعتمدت على فقراء الريف كقاعدة عامة، تمكنت الرأسمالية الفرنسية من تحويلهم لاحقا إلى عمال صناعة وتجار، عندما نكون أمام حالات نجاح، بعد جهد جماعي لأجيال اعتمد على العلاقات العائلية، هجرة كان لها دور سياسي أساسي في إنجاح الحركة الوطنية، وثورة التحرير لاحقا في بلاد المهجر، لا يقتصر على المجالين العسكري والسياسي فقط، بل الرياضي كذلك كما بينته حالة فريق جبهة التحرير لكرة القدم، أثناء مرحلة ثورة التحرير في نهاية خمسينيات وبداية ستينيات القرن الماضي، ما يؤكد بشكل لا لبس فيه، تلك العلاقة الخاصة جدا التي يملكها الجزائري مع بلده وجنسيته، التي يغامر الطرف الرسمي هذه الأيام للمس بها، عبر تعديلات قانون الجنسية، بكل الخطورة التي يمكن أن تترتب عليه وهي تمس بأقدس ما لدى الجزائري من رابط.
لنكون أمام هذا الجيل الذي يمثله رياض محرز وياسين إبراهيمي وإبراهيم مازا ابن العائلة الحراشية من جهة الأب، المولود في ألمانيا والأم صاحبة الأصول الفيتنامية، حسبما جاء في الاعلام الدولي – الذي سطع نجمه في الآونة الأخيرة، وغيرهم كثير ممن كان وراء تحقيق نجاحات للرياضة الجزائرية. من أبناء جيل زاد عنده منسوب التدين الاجتماعي، هم أبناء الزواج المختلط المنجز من قبل الأب أو الأم المهاجرة، الذين لم يتمكنوا دائما من الحفاظ على لغتهم العربية التي يتكلمونها بصعوبة مثلها مثل الأمازيغية، عكس التشبث بالإسلام الذي عبر عنه الكثير منهم كما يظهر من خلال تقيدهم بمواقيت الصلاة والصوم حتى وهم يشاركون في منافسات رياضية دولية، كشكل من اشكال التعبير عن هويتهم في بلاد المهجر. يمكن التعرف عليهم بسهولة عند حديثهم وهم يكثرون من استعمال والله، وإن شاء الله، بعربية بسيطة ومكسرة في بعض الأحيان، نالت استحسان الجمهور الجزائري الذي يعبر لهم عن درجات قبول كبيرة وصلت حد «التسامح» معهم في خياراتهم الشخصية المتعلقة بالزواج، كما حصل مع رياض محرز، على سبيل المثال، حتى وهو يتعامل مع جمهور شعبي يملك علاقات متوترة مع المرأة التي يطلب منها الكثير والمتناقض.
الاستعانة بأبناء المهاجرين من هذه الأجيال، سمح للفريق الوطني الجزائري بتحقيق نتائج إيجابية ملموسة – الوضع نفسه نلاحظه في المغرب وتونس بدرجة أقل، نتيجة الهجرة – أكثر من مرة وهو يتنافس مع فرق أوروبية عريقة. لتكون استفادة الدول الأوربية من هذه الخامات الرياضية على مستوى فرقها العريقة أوسع، كما تفعل مع أبناء القارة السمراء.
وضع لا يجعلنا نتغافل عن الجوانب السلبية لهذا الواقع الرياضي الدولي المركب، ونحن نلاحظ كيف تسبب في إهمال السلطات العمومية لأدوارها في وضع سياسات رياضية وطنية، لتكتفي في الغالب بما تجنيه من نتائج عبر أبناء الهجرة، الذين يغطون بنتائجهم الإيجابية المحققة على سلبيات الحالة الرياضية داخل البلد بكل ما تعيشه من تخبط وفساد، كما يبينه وجود أكثر من وجه مسير رياضي في السجن. يغطي فيها مازا ومحرز ومبولحي على ضعف وتخبط الممارسة الرياضية الرسمية داخل البلد.
ناصر جابي

تعليقات الزوار
لا تعليقات