أخبار عاجلة

رحيل المناضل والمؤرخ الجزائري محمد حربي

توفي في باريس، المجاهد والمؤرخ الجزائري البارز محمد حربي، عن عمر ناهز 93 سنة، والذي يعد من أحد أبرز الأسماء التي اقترنت بتاريخ الحركة الوطنية والثورة التحريرية، سواء من موقع الفاعل المباشر أو من زاوية الباحث.

وفي سيرته المختصرة، وُلد محمد حربي سنة 1933 بمدينة الحروش بولاية سكيكدة شرق الجزائر، ونشأ في أسرة ميسورة وذات نفوذ اجتماعي وديني، ما أتاح له تعليماً مزدوجاً قرآنياً وفرنسياً أسهم في تشكل وعيه السياسي مبكراً.

التحق في سن الخامسة عشرة بحركة انتصار الحريات الديمقراطية، ثم انتقل إلى فرنسا لمواصلة دراسته، حيث برز كإطار نشط في فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا. ومع اندلاع الثورة التحريرية سنة 1954، شارك في العمل السياسي والإعلامي، قبل أن يلتحق بقيادة الثورة ويشغل مناصب عدة داخل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، من بينها العمل في وزارة القوات المسلحة تحت إشراف كريم بلقاسم، وتمثيل الجزائر لفترة قصيرة في غينيا، والمشاركة كخبير في المراحل الأولى من مفاوضات إيفيان التي أفضت إلى الاستقلال سنة 1962.

بعد الاستقلال، كان محمد حربي من المقربين إلى الرئيس أحمد بن بلة، وعمل مستشاراً له، كما أشرف على مجلة “الثورة الإفريقية”. غير أن انقلاب 19 جوان 1965 الذي جاء على إثره الرئيس هواري بومدين للحكم، شكّل منعطفاً حاسماً في مساره، إذ عارض النظام الجديد، ما أدى إلى سجنه لعدة سنوات ثم وضعه تحت الإقامة الجبرية. وفي مطلع السبعينيات، فر من الجزائر واستقر في فرنسا. وبعد سنوات من النشاط السياسي تفرغ للتدريس والبحث الأكاديمي، وعمل أستاذاً للعلوم السياسية بجامعة باريس الثامنة، ليصبح مرجعاً معتمداً لدى الباحثين في تاريخ الجزائر وشمال إفريقيا وحركات التحرر.

عرف محمد حربي بكتاباته التي تناولت تاريخ الحركة الوطنية وجبهة التحرير الوطني والثورة التحريرية بنَفَس نقدي، مبتعداً عن السرديات الرسمية، وهو ما جعله محل جدل دائم. من أبرز مؤلفاته “جبهة التحرير الوطني: السراب والواقع”، الذي أثار نقاشاً واسعاً منذ صدوره، و“أرشيف الثورة الجزائرية”، إضافة إلى مذكراته “حياة واقفة”، التي استعاد فيها مسيرته السياسية والفكرية. وقد وُصفت أعماله بأنها محاولة لفهم تعقيدات التجربة الثورية الجزائرية، بما فيها الصراعات الداخلية والخيارات السياسية التي أعقبت الاستقلال.

وعقب الإعلان عن وفاته، توالت رسائل التعزية من مسؤولين وشخصيات سياسية وثقافية. ووجّه الرئيس عبد المجيد تبون رسالة تعزية إلى عائلة الفقيد، عبّر فيها عن بالغ حزنه لرحيل “المجاهد والمؤرخ المثقف محمد حربي”، معتبراً أن الجزائر فقدت برحيله رجلاً انخرط مبكراً في النضال ضد الاستعمار، ثم في صفوف الثورة التحريرية، قبل أن يتفرغ بعد الاستقلال للبحث والكتابة، مسهماً بعدة مؤلفات في إثراء المكتبة العالمية بتاريخ الحركة الوطنية وثورة التحرير.

من جهته، قدّم وزير المجاهدين وذوي الحقوق عبد المالك تشريفت تعازيه لعائلة الفقيد والأسرة الثورية، مذكّراً بمساره النضالي داخل الحركة الوطنية وفيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، وبالمهام التي تقلدها داخل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وبإسهاماته اللاحقة في البحث الأكاديمي والكتابة التاريخية.

كما نعاه رئيس حزب جيل جديد، الدكتور لخضر أمقران، الذي وصفه بالمناضل المبكر والمؤرخ المرجعي، معتبراً أن رحيله يمثل خسارة للذاكرة الوطنية، وللنقاش الفكري حول تاريخ الثورة والدولة بعد الاستقلال، ومشيراً إلى أن حربي عايش التاريخ وكتبه في آن واحد، وهو ما منح أعماله خصوصية أثارت الاهتمام والجدل.

وقد توقف الكاتب الصحافي نجيب بلحيمر، عند مسألة تداول أعمال محمد حربي داخل الجزائر، معرباً عن أمله في أن تتولى وزارة المجاهدين ترجمة جميع مؤلفاته إلى اللغة العربية ونشرها، معتبراً أن اختلاف السلطة مع بعض كتاباته لا ينبغي أن يحرم الأجيال الحالية والقادمة من الاطلاع عليها، بوصفها جزءاً من النقاش التاريخي والفكري حول الثورة والدولة الوطنية.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات