يمكن أن نشاهد مباراة كرة بين فريقين من إسبانيا، ثم نصادف علم الجزائر في المدرجات. مع أن الراية لا تتطابق ألوانها مع ألوان الفريقين. كما يمكن أن نشاهد منازلة في الملاكمة، تجري أطوارها في أميركا، ثم نلمح أحدا بين الجمهور يلوح بعلم الجزائر، أو نصادف حفلا موسيقيا في فرنسا، ومن غير مناسبة سوف يلوح واحد من الحاضرين بعلم البلاد. أما إذا لعب المنتخب الوطني، سواء في الداخل أو الخارج، فسوف تغزو الأعلام المكان، وتطفح الشوارع الجانبية بالألوان الخضراء والحمراء والبيضاء. وقد يتعلق الأمر بحدث سياسي في بلاد بعيدة، لكن المنصة سوف يظهر فيها، مرة أخرى، العلم الجزائري، من غير أن يكون في التظاهرة ما يستدعي حضور العلم.
ولا بد أن الكثيرين لاحظوا هذه الظاهرة، وأن العلم يرفرف في مكانه وخارج مكانه، يكاد يصير هوية بصرية. فعندما يحل الجزائري في مكان جديد، لن يفكر في متاعه ولا في حقائبه، بقدر ما يفكر في علم ينصبه إلى جانبه، كما لو أن العلم قد تحول إلى بطاقة هوية. «أنا جزائري وإن كنت لا تصدق كلامي فانظر إلى العلم جنبي»، هكذا يقول لسان حاله. لم يعد العلم يحيل إلى هوية جماعية، بل إلى هوية فردية كذلك.. لم يعد يمثل الدولة، بل يمثل أشخاصا كذلك. لم يعد علامة سيادة فحسب، بل هو لغة يتبناها المواطن في علاقاته مع الآخرين. فقد استفحلت هذه الظاهرة، لاسيما في السنين الأخيرة، واكتسح علم الجزائر الأرجاء. ولهذا الأمر أسباب، بدءا من شعور الجزائري بأن صوته مكتوم، لا سلطة له على الحياة التي يعيش فيها، ولا قدرة له على التغيير. يشعر بأن صوته مسلوب ولا يمكنه أن يشارك في القضايا الكبرى، بل يجد نفسه على الدوام في موقع المتفرج، وهذا الأمر يشعره بحرج وكبت، يشعر بعجز إزاء القضايا التي تعنيه، ويجد نفسه مكتوف الأيدي ولا سبيل له في التعبير عن نفسه وعما يجول في خاطره، لذلك يتشبث بالعلم ويستعين به في التلويح إلى العالم. يريد من العالم أن ينظر إليه، أن يشعر بوجوده. بما أنه مكتوم الصوت في الداخل، فإنه يبحث عن صوت له في الخارج. لأن العلم في نظره لا يتعلق بمسألة وطنية ولا يُختصر في الدفاع عن قضية، بل يلبسه من أجل أن ينظر إليه الآخرون، أن يصير مرئيا بعدما عانى من العتمة في بلده. فهذا الجزائري الذي لا يتعد صوته حدود بيته، يريد أن يخبر الأجانب عن وجوده، أنه يحيا مثلهم ويتنفس. فعندما يلوّح بالراية في غير مكانها، فالغاية ليست الترويج للجزائر، أو الدفاع عنها، بل هو يدافع عن نفسه، يريد أن يجلب الأنظار إليه وحده. يخالف الغالبية، في مدرجات ملعب أوروبي، من أجل أن يصير معروفا بينهم. يود كذلك أن ينفض الغبار عن صوته المكتوم، وأن يصغي إليه غيره، ولأن المواطن الغربي لا يحتاج إلى رفع علم بلده، في كل مكان، فإن المواطن الجزائري ـ على العكس منه ـ لا يتخلى عن راية بلده، يلوح بها وكأنه يلوح بصوته، يرفرف العلم وينتظر أن يلتفت إليه الآخرون ويصغون إليه.
مأزق الهجرة المتأخرة
ظاهرة التلويح بعلم الجزائر، في كل مكان، استفحلت في فرنسا، وكذلك بلدان مجاورة لها، مثل إسبانيا وإيطاليا، وبدرجة أقل في بلدان أخرى، وقد استفحلت تزامنا مع ظاهرة أخرى نقصد منها الهجرة الجديدة لأوروبا. فقد توافد عشرات الآلاف ممن يطلق عليهم صفة مهاجرين غير شرعيين على جنوب أوروبا. وهؤلاء المهاجرون الجدد يختلفون عن أسلافهم. في الماضي كانت الهجرة جراء أسباب اقتصادية، ووقّعت فرنسا مع الجزائر اتفاقيات من أجل أن تزودها بعمال في ورش البناء، أو السكك الحديدية، أو من أجل تقليص العجز في اليد العاملة في مصانع وشركات. فالجزائري كان يقصد أوروبا من أجل العمل، يجمع المال ثم يعود إلى مسقط رأسه. لكن الأمور تغيرت في الزمن الحديث. بات الشاب يغامر في هجرة سرية، ثم يعجز عن الحصول على عمل مثلما يعجز عن تسوية وضعيته القانونية. لأن أوروبا لم تعد جنة مثل الماضي، بل إنها تقاسي أزماتها من الداخل. وعندما يفشل هذا المهاجر الجديد في الحصول على عمل أو تسوية وضعيته القانونية، فلا بد أن يعثر على سبب يبرر فشله. والسبب جاهز في الغالب: هو اتهام الأوروبيين بالعنصرية، أو بمعاداة الإسلام وكره العرب. فكلما عجز مهاجر عن العثور على موطئ قدم له يجعل من الأوروبي خصما له، ويحمّله وزرا أكبر من طاقته. وعندما يلوح بعلم الجزائر في مباراة بين فريقين أجنبيين، فإنه يظن بفعلته إغاظة الأوروبي. يعتقد أنها فعلة من شأنها أن تبعث قلقا في قلوب الأجانب ويريد منها هذا المهاجر أن يعبر عن وجوده، أن يلوح لهم بحقه في العيش في بلدهم. لأن مشقة المهاجر الجديد في الاندماج، تجعله يعيش بين عالمين متباعدين. يظل قلبه معلقا بالجزائر بينما جسده يطوف كل يوم بين حارات أو شوارع في أوروبا. يعيش انفصاما من غير أن يعلم بذلك، ولأن لا فرصة له في منافسة الأوروبيين، فإن منافستهم يحصرها في تلويح بالعلم في مناسبات تخصهم ولا تخصه. وعندما نتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، سوف نصادف عددا لا يحصى من قنوات على يوتيوب، أو تيك توك يشرف عليها مهاجرون غير شرعيين، يبثون محتواهم من بقاع أوروبية، وهم يعلقون علم الجزائر في الخلفية. لأن لا شيء لهم يتفاخرون به عدا العلم. لا صوت لهم يثبتون به وجوده عدا التلويح به. وصار العلم ينوب عن الوظيفة وكذلك وثيقة وهوية.
هكذا يعيش المهاجرون الجدد، يحملون في أيديهم علم الجزائر ويرفعونه، في مناسبة وغير مناسبة، يريدون أن يثبتوا وجودهم في أوروبا، وأن يعلم أقرانهم في البلد الأصلي أنهم يزاولون حياة لا يخالطها ملل.
سعيد خطيبي

تعليقات الزوار
لا تعليقات