أخبار عاجلة

ساسة موريتانيا ومدونوها يتضامنون مع رئيس فنزويلا

أثار الإعلان عن قيام إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعمليات عسكرية ضد فنزويلا، أعقبتها عملية اختطاف للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، موجة واسعة من الجدل والاستنكار في الأوساط السياسية والإعلامية الموريتانية، حيث اعتبر كثيرون الخطوة انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ودليلًا جديدًا على منطق القوة الذي يحكم العلاقات الدولية.
ولم يمرّ خبر اعتقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس فنزويلا مرورًا عابرًا في الفضاء الموريتاني، إذ فجّر موجة واسعة من التفاعل بين ساسة ومدونين وناشطين، رأوا فيه تجسيدًا صارخًا لانزياح العلاقات الدولية عن منطق القانون والمؤسسات لصالح منطق القوة وفرض الإرادة.
وبين قراءات سياسية وتحليلات قانونية وتعليقات ساخرة، تحوّل الحدث إلى مرآة تعكس قلقًا أوسع بشأن مستقبل النظام الدولي وحدود السيادة، خاصة بالنسبة للدول الضعيفة في معادلة عالمية مختلة.
وفي هذا السياق، يرى متابعون أن موجة التضامن التي عبّر عنها الموريتانيون مع رئيس فنزويلا لا تنفصل عن خلفية مواقفه المعلنة والمعروفة بعدائها لإسرائيل ورفضها الصريح للتحالف الأمريكي-الإسرائيلي، ولا سيما في ظل الحرب على غزة، حيث اعتبر كثيرون أن استهدافه يعكس ثمن الاصطفاف إلى جانب القضية الفلسطينية ومساندة الشعب الفلسطيني في مواجهة العدوان.
وحسب هذه القراءات، فإن هذا التضامن يتجاوز شخص الرئيس الفنزويلي ليعبّر عن موقف مبدئي راسخ في الوجدان الموريتاني الداعم لفلسطين، وعن رفض أوسع لسياسات الكيل بمكيالين وتوظيف القوة لمعاقبة كل من يخرج عن الإجماع الغربي في قضايا المنطقة.
وفي هذا السياق، رأى الدبلوماسي الموريتاني السابق أحمدو ولد عبد الله أن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من طرف الولايات المتحدة الأمريكية يحمل دلالات تتجاوز الحالة الفنزويلية، معتبراً «أنه يشكّل رسالة تحذير مباشرة لرؤساء دول الساحل غير المنتخبين الذين وصلوا للحكم بانقلابات عسكرية».
وأوضح ولد عبد الله، وهو وزير سابق للخارجية ومبعوث خاص للأمم المتحدة في الساحل ورئيس مركز استراتيجيات أمن منطقة الساحل، في منشور له على منصة إكس، أن دعوة رئيس النيجر لما سماه «المعاملة بالمثل» مع الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب «لها ثمن باهظ بالنسبة لهؤلاء القادة، وأسوأ من ذلك بالنسبة لمواطنيهم الأبرياء»، محذراً من أن تبعات مثل هذه السياسات قد «تنعكس سلباً على استقرار دولهم وأمن شعوبهم».
وفي السياق ذاته، أصدر حزب جبهة المواطنة والعدالة «جمع» المقرب من الرئيس الغزواني بيانًا شديد اللهجة، وصف فيه ما جرى بأنه «خطوة تجمع بين عقلية الغزو والعدوان والاستهزاء بالقانون الدولي»، معتبرا «أن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة يعكس سلوكًا عدوانيًا ترسخ عبر عقود من التدخل في شؤون الدول ذات السيادة».
وعبّرت جبهة «جمع» عن تضامنها مع الشعب الفنزويلي، مؤكدة حقه في اختيار قيادته السياسية بعيدًا عن أي وصاية أجنبية، ومشددة على أن الديمقراطية «لا تُفرض بالقصف ولا تُبنى على فوهات البنادق».
ودعت في الوقت ذاته دول العالم إلى استخلاص العبر من هذا التصعيد، والعمل على إعادة الاعتبار للقانون الدولي ومنع استخدام القوة لفرض الخيارات السياسية على الشعوب.
ووصفت النائبة البرلمانية منى بنت الدي المشهد الدولي الحالي بأنه «غابة كبيرة»، معتبرة أن الولايات المتحدة باتت تتصرف كقوة مفترسة «تفترس من تشاء»، مشبهة ما جرى بسلسلة تاريخية من التدخلات بدأت من نورييغا مرورًا بصدام حسين وصولًا إلى مادورو.
وانتقدت تصريحات أمريكية تحدثت عن «استعادة النفط المسروق»، معتبرة أنها تعكس ذهنية استحواذية ترى ثروات العالم ملكًا خاصًا للولايات المتحدة.
أما المدون البارز عبد الله محمد، فقد قدّم قراءة فكرية مطوّلة اعتبر فيها أن الإشكالية الجوهرية تكمن في ازدواجية المعايير الغربية، حيث تُمارَس الديمقراطية والحرية داخل الغرب، بينما يُمنح تفويض مفتوح لتدمير دول وشعوب أخرى باسم القيم ذاتها.
ورأى أن الغرب صاغ هذه المعادلة بعناية، بحيث يُدان الضعيف إذا ردّ، ويُبرَّر القوي مهما بلغت وحشية أفعاله.
وقدّم الإعلامي محمد محمود بكّار، قراءة تحليلية عميقة لما جرى، معتبرًا «أن اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لا يمكن فهمه كحادث معزول أو خطأ في تقدير سياسي، بل هو – حسب تعبيره –»فعل استعماري مكتمل الأركان، وجريمة دولة موصوفة»، تكشف بوضوح طبيعة النظام الدولي الراهن.
ويرى بكّار أن ما حدث «أسقط في لحظة واحدة كل الادعاءات المتعلقة بوجود نظام دولي قائم على القواعد، أو شرعية أممية، أو احترام لسيادة الدول»، مؤكدًا «أن الولايات المتحدة باتت تمارس هيمنة عارية خارج أي إطار قانوني أو أخلاقي».
واعتبر «أن اختطاف رئيس دولة ذات سيادة بالقوة، ثم تعمّد إذلاله عبر نشر صورة مهينة، لا يستهدف شخص مادورو فقط، بل يوجّه رسالة قاسية لكل دولة تفكر في الخروج عن الطاعة».
ويضع بكّار هذه الحادثة ضمن سياق تاريخي طويل من التدخلات الأمريكية، مستحضرًا سلسلة من الوقائع تبدأ بإسقاط محمد مصدّق في إيران عام 1953 بسبب تأميم النفط، مرورًا بانقلاب تشيلي عام 1973 ضد سلفادور أليندي، ثم غرينادا وبنما، وصولًا إلى غزو العراق عام 2003 وتدمير ليبيا سنة 2011، ليخلص إلى أن ما جرى في فنزويلا ليس إلا إعادة إنتاج فجة للنهج نفسه، ولكن بوقاحة غير مسبوقة.
ويؤكد أن «جريمة» مادورو الوحيدة، وفق منطق الهيمنة، هي رفض الخضوع، والدفاع عن قرار سيادي مستقل، والوقوف في وجه مشروع السيطرة على النفط الفنزويلي، مشددًا على أن هذا الموقف وحده كافٍ لتحويل رئيس دولة إلى «غنيمة حرب» في حسابات الإمبراطورية.
وذهب الإعلامي الموريتاني إلى أن الولايات المتحدة وجّهت من خلال هذا الفعل رسالة تهديد علنية لدول الجنوب مفادها: إما الطاعة، أو الإذلال، أو الفوضى، أو السقوط، معتبرًا أن نشر صورة مهينة لرئيس دولة معتقَل ليس تصرفًا عابرًا، بل سياسة مقصودة تهدف إلى كسر إرادة الشعوب، وإعادة العالم إلى منطق السيد والعبد.
وخلص إلى «أن زمن الوهم قد انتهى، وسقطت معه شعارات حقوق الإنسان والتبشير بالديمقراطية، وانكشف النظام الدولي على حقيقته كأداة هيمنة لا قانون لها سوى القوة»، مؤكدا «أن العالم لا يعيش مجرد أزمة في هذا النظام، بل يشهد موته العلني».
وفي ختام مقاله، لفت محمد محمود بكّار إلى أن هذا التخبط الأمريكي، الساعي إلى استعادة هيبة الغطرسة الإمبريالية، لا يعدو كونه هروبًا إلى الأمام في مواجهة صعود قوى دولية كبرى تنازع واشنطن النفوذ، وهو ما يكرّس – بحسب المؤشرات الجيوبوليتيكية – صورة سلبية متزايدة للولايات المتحدة على الساحة الدولية، ويؤذن بمرحلة أكثر اضطرابًا في العلاقات العالمية
وبين الإدانة المبدئية للانتهاكات والدعوة إلى الواقعية السياسية، يعكس الجدل الموريتاني حول ما جرى في فنزويلا انقسامًا واضحًا في الرؤى بين من يركز على القيم والقانون الدولي، ومن يرى أن منطق المصالح هو الحاكم الفعلي لعلاقات الدول في عالم مضطرب لا يرحم الضعفاء.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات