تعد فئة جامعي النفايات التي يطلق عليها بالعامية "البرباشة" الأكثر تهميشا وتضررا من الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، لاسيما في صفوف النساء العاملات في هذا المجال، حيث غالبا ما يكون مدخولهن أقل من الرجال، وذلك وفق ما كشفت عنه دراسة حول "الاقتصاد الدائري: رسكلة النفايات البلاستكية بمنطقة طينة (صفاقس)".
وبينت الدراسة التي نشرها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وأعدتها الأستاذة بجامعة صفاقس مهدية سوداني، أن النساء العاملات يتحملن أغلب الأنشطة الشاقة المتصلة بتجميع النفايات البلاستيكية ورسكلتها، لتظاف إلى محيطهن العائلي الهش والدقيق، إذ من الصعب أن يتجاوز جامعو النفايات أو "البرباشة" وخاصة منهم النساء، وضعية الخصاصة التي يعانون منها.
وأفادت الدراسة بأنه توجد أسفل السلم الاجتماعي للبرباشة النساء اللاتي يحملن أكياسا كبيرة من النفايات على ظهورهن، تصل حمولتها القصوى إلى 10 كليوغرامات، وهو ما يمثل ثلث وأحيانا ربع الكمية التي يجمعها الرجال عندما يستخدمون وسائل نقل.
ولاحظت معدة الدراسة أنه نظرا لضغوطات التزاماتهن المنزلية، فإن النساء يعملن عدد ساعات أقل من الرجال في جمع النفايات البلاستيكية، وبالتالي فهن معرضات لجني مال أقل منهم عند بيعها، فهن يكسبن بين 10 و25 دينارا (3.21 و8.03 دولارا أميركيا) في اليوم، في حين يمكن للرجال كسب مبالغ تتراوح بين 40 و70 دينارا (12.84 و22.48 دولارا أميركيا) يوميا.
كما كشفت الدراسة أن امتلاك وسيلة لنقل النفايات البلاستيكية يعكس عدم مساواة على مستوى النوع الاجتماعي وعلى المستوى الاقتصادي، باعتبار أن من يحقق رأسمال يخول له اقتناء وسيلة نقل، يحصل على دخل أعلى، وهو ما يفسر سبب جني النساء لمال أقل.
ونقلت وكالة تونس أفريقيا للأنباء عن مهدية سوداني قولها إن النساء اللاتي يعملن في مجال تجميع البلاستيك وفي حدات رسكلة البلاستيك يعتبرن الفئة الاجتماعية الأكثر هشاشة، فعلى مستوى المعيشة تجد النساء أنفسهن في مواجهة وضعيات أسرية صعبة على غرار وجود شخص يعاني من إعاقة، أو أن تكون المرأة مطلقة، أو الاضطرار لحمل النفايات البلاستيكية على ظهورهن لمسافات طويلة.
وترجح الدراسة أن بعض النساء العاملات في تجميع النفايات البلاستيكية يعتبرن في وضعية أفضل، إذا ما امتلكن عربات صغيرة يقمن بدفعها بأيديهن لمدة 8 ساعات يوميا، مضيفة أن أغلب العاملات في هذا المجال لا يتمتعن بالتغطية الاجتماعية، فتجميع النفايات البلاستيكية هو مورد رزقهن الوحيد رغم ظروف العمل العسيرة.
ووفقا لشهادات استقتها الدراسة، فإن النساء العاملات في هذا المجال غالبا ما يكن ضحايا أنواع متعددة من التمييز سواء على مستوى ظروف العمل أو الأجور، فهن يعملن في ظروف أصعب من الرجال، ويتعرضن للمنع من العمل من قبل بعض الرجال الذين يسيطرون على عدد من المناطق، إلى جانب النظرة الدونية لهن من قبل سكان الأحياء السكنية والمجتمع بصفة عامة.
وتقول امرأة تعمل في مجال تجميع البلاستيك لمعدة الدراسة "لا امتلك أية وسيلة لنقل البلاستيك الذي أقوم بجمعه، وأحمل يوميا على ظهري كيسا يزن بين 14 و20 كلغ لأبيعها مقابل مبلغ يتراوح بين 8 و10 دينارات (2.57 و 3.21 دولارا أميركيا).. فأنا أم لأربعة أبناء، وزوجي متقاعد ومريض، وأتكفل لوحدي بمصاريف العائلة".
وتضيف في شهادتها قولها "هناك بعض السكان يمدون لي يد العون، لأنهم واعون بوضعيتنا الصعبة، وأنا ممتنة للأشخاص الذين يتعاطفون معي كـ'برباشة'، ولكن هذا لا يمكن أن يزيح عني الشعور بأنني منبوذة من مجتمعي".
وركزت الدراسة كذلك إلى جانب رصد واقع العاملات في مجال تجميع البلاستيك، على ما تعانيه النساء العاملات بوحدات رسلكة البلاستيك، من إقصاء وتمييز وممارسات قائمة على استغلال النفوذ من قبل المشغل أو من قبل الموظفين الذين يفوقونهم في السلم الوظيفي، حيث تجد العاملات بهذه الوحدات أنفسهن مجبرات على طاعة الأوامر والقبول بظروف عمل مهينة وبسوء المعاملة من أجل جني المال والحفاظ على مورد الرزق، لاسيما منهن ذوات الأسر المتعددة الأفراد.
فقد أظهرت الدراسة أن أغلب وحدات رسلكة البلاستيك غير المرخص لها في طينة (صفاقس)، تشغل النساء في ظروف قاسية وبأجور متدنية، فالمرأة العاملة في هذه الوحدات تجني قرابة 336 دينارا (107.89 دولارا أميركيا) شهريا مقابل 500 دينارا (160.56 دولارا أميركيا) للرجل.
وخلصت الدراسة إلى أن أصحاب وحدات الرسلكة يقومون باستغلال اليد العاملة النسائية لأنها متوفرة وتقبل بظروف عمل قاسية وبأجور ضعيفة. كما تسند هذه الوحدات غير المرخص لها للنساء المهام الأكثر صعوبة، على غرار التجميع والفرز والرحي وغسل النفايات، وفي المقابل، تسند للرجال الذين يعملون في القطاع المنظم مهمة شراء وبيع مواد قابلة للرسلكة، مقابل أجور أعلى من تلك الممنوحة للنساء.
وبينت الدراسة أن أغلب الرجال العاملين في مجال تجميع البلاستيك يتصدرون أعلى السلم الوظيفي لهذا النشاط، على عكس النساء اللواتي يقبعن في أدنى السلم مما يحرمهن من التمتع بالارتقاء الاجتماعي.
تعليقات الزوار
لا تعليقات