لم تعد أصوات الطائرات المسيّرة في غرب ليبيا مرتبطة فقط بجبهات القتال المفتوحة أو بجولات الاشتباكات بين التشكيلات المسلحة، إذ بدأت خلال الأسابيع الأخيرة تقترب من أكثر المرافق حساسية في البلاد: خزانات الوقود، ومستودعات النفط، ومحطات الكهرباء. وبينما بدت الهجمات في بدايتها كحوادث متفرقة يصعب تحديد منفذيها، تقول حكومة الوحدة الوطنية إن الصورة باتت أكثر وضوحا، وإن وراءها شبكة منظمة خططت لاستهداف البنية التحتية وإرباك الخدمات في العاصمة طرابلس ومدينة الزاوية.
وفي أحدث تطور في هذا الملف، أعلنت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة تفكيك ما وصفته بـ»خلية تخريبية منظمة» تضم ليبيين وأجانب، قالت إنها تقف خلف سلسلة من الهجمات بطائرات مسيرة انتحارية استهدفت منشآت نفطية وكهربائية في طرابلس والزاوية، في تطور أمني لافت يأتي بعد أسابيع من هجمات طالت مرافق حيوية وأثارت مخاوف من اتساع استخدام الطائرات المسيرة في الصراعات الداخلية.
وقالت الحكومة إن عملية أمنية واستخباراتية نفذتها وزارة الدفاع أسفرت عن القبض على خمسة أشخاص، بينهم ليبيون وأجانب، للاشتباه في تورطهم في هجمات استهدفت خزانات للنفط في طرابلس والزاوية، إلى جانب محطة كهرباء الزاوية.
مخطط تخريبي واسع ومترابط
وكشفت أن العملية والتحقيقات التي أعقبتها أسفرت كذلك عن إحباط مخططات أخرى كانت، وفق روايتها، على وشك التنفيذ، من بينها استهداف محطة كهرباء جنوب طرابلس، إضافة إلى منشآت حيوية وشخصيات وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية.
ولم تكشف الحكومة حتى الآن عن هويات المقبوض عليهم أو جنسيات العناصر الأجنبية، كما لم تعلن أسماء الجهات أو الأطراف التي تعتقد أنها تقف خلف الخلية، مؤكدة أن التحقيقات لا تزال مستمرة لكشف بقية المتورطين والجهات التي خططت أو مولت أو دعمت وسهلت تنفيذ الهجمات.
واعتبرت حكومة الدبيبة أن المعلومات التي ظهرت خلال التحقيقات تشير إلى أن الهجمات التي شهدتها المنطقة الغربية خلال الفترة الماضية لم تكن حوادث منفصلة أو عشوائية، وإنما جاءت، بحسب بيانها، ضمن «مخطط تخريبي واسع ومترابط» استهدف البنية التحتية وقطاعي النفط والكهرباء.
وقالت إن توقيت الهجمات زاد من خطورتها، كونها جاءت خلال فصل الصيف الذي شهد ضغوطا متزايدة على قطاع الكهرباء والخدمات الأساسية، معتبرة أن استهداف مرافق الطاقة يمس بصورة مباشرة حياة المواطنين وأمنهم ومعيشتهم.
وشددت الحكومة على أن توقيف أفراد الخلية لا يعني انتهاء العملية الأمنية، مؤكدة مواصلة التحقيق والملاحقة للوصول إلى بقية المتورطين وكشف الجهات التي خططت ومولت ودعمت أو وفرت الغطاء للهجمات.
كما تعهدت بملاحقة كل من تثبت علاقته بالقضية، مؤكدة أن «صفة أو موقعا أو رتبة عسكرية» لن تحول دون المساءلة، في إشارة لافتة بالنظر إلى الطبيعة العسكرية والأمنية المتشابكة في غرب ليبيا وانتشار تشكيلات مسلحة تمتلك قدرات عسكرية متفاوتة.
ويأتي الكشف عن الخلية بعد أيام فقط من حادث أمني جديد استهدف مستودع طرابلس النفطي، حيث أعلنت شركة البريقة لتسويق النفط، الخميس الماضي، دخول جسم طائر يشتبه في كونه طائرة مسيرة إلى أجواء المستودع وسقوطه بالقرب من أحد الخزانات.
وقالت الشركة حينها إن الحادث لم يسفر عن إصابات بشرية، وإن عمليات التشغيل وتوزيع الوقود استمرت بصورة طبيعية دون توقف، مؤكدة أن الجهات المختصة باشرت إجراءاتها لتأمين الموقع، وداعية إلى تكثيف حماية المستودعات والمنشآت النفطية.
وأعاد الحادث إلى الواجهة سلسلة الهجمات التي تعرضت لها منشآت الطاقة في مدينة الزاوية خلال أغسطس/آب الماضي، عندما استهدفت طائرات مسيرة خزانات للوقود داخل المنطقة النفطية، ما تسبب في اندلاع حرائق وأضرار بعدد من المنشآت، بالتزامن مع استهداف مرافق مرتبطة بقطاع الكهرباء.
ومن أبرز تلك الوقائع استهداف أحد خزانات البنزين في الزاوية الذي كان يحتوي على كميات كبيرة من الوقود، قبل أن تنهار أجزاء منه نتيجة الحريق، إلى جانب تعرض خزان للنافتا لأضرار، في وقت دفعت فيه فرق الطوارئ والسلامة بعناصرها لمنع امتداد النيران إلى منشآت وخزانات أخرى.
كما تعرضت إحدى محطات التحويل الكهربائية في المدينة لأضرار خلال الهجمات، ما أعاد المخاوف من انعكاس التصعيد الأمني على شبكة الكهرباء التي تعاني أساسا من ضغوط ومشكلات متراكمة.
تزامن الهجمات مع أزمة كهرباء متفاقمة
وتزامنت تلك الهجمات مع أزمة كهرباء متفاقمة في عدد من مدن غرب ليبيا، الأمر الذي ضاعف من حساسيتها، خصوصا مع خروج مواطنين في طرابلس والزاوية خلال الفترة الأخيرة للاحتجاج على طول ساعات انقطاع التيار وتراجع الخدمات.
وفي أعقاب هجمات الزاوية، صعدت حكومة الوحدة الوطنية من لهجتها، إذ وصف الدبيبة استهداف المنشآت النفطية والصناعية بالطائرات المسيرة بأنه تصعيد لن يمر دون رد، مؤكدا أن استخدام المسيّرات لضرب مرافق حيوية يمثل تهديدا مباشرا للمواطنين والعاملين ولأمن البلاد الاقتصادي.
وقال الدبيبة حينها إن استهداف مقدرات الليبيين تجاوز «خطا لا يمكن السماح بتجاوزه»، معتبرا أن ما حدث لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثا عابرا، ومؤكدا ضرورة اتخاذ إجراءات تمنع تكرار الهجمات.
بدورها، حذرت وزارة الدفاع التابعة للحكومة من استمرار استهداف المنشآت النفطية والحيوية، مؤكدة أنها ستلاحق الضالعين في التنفيذ أو التخطيط أو التمويل، كما حذرت من توفير أي غطاء اجتماعي أو قبلي للمتورطين.
وتعيد التطورات الأخيرة ملف الطائرات المسيرة إلى صدارة المشهد الأمني الليبي، بعدما تحولت خلال سنوات الصراع إلى أحد أبرز أسلحة المواجهات بين الأطراف المحلية، خاصة خلال الحرب على طرابلس وما رافقها من تدخلات عسكرية خارجية واستخدام مكثف للطائرات المسيرة.
لكن الخطر الذي برز أخيرا يختلف عن نمط الاستخدام خلال المعارك التقليدية، إذ يجري الحديث هذه المرة عن مسيرات تستخدم في عمليات محدودة تستهدف منشآت مدنية واقتصادية بعيدا عن جبهات قتال واضحة، وهو ما يزيد من صعوبة تحديد مصادر إطلاقها والجهات التي تقف وراءها.
حساسية استهداف القطاع النفطي
وتزداد حساسية استهداف القطاع النفطي بالنظر إلى اعتماد ليبيا بصورة شبه كاملة على عائدات النفط لتمويل الموازنة العامة، في حين يشكل قطاع الكهرباء واحدا من أكثر الملفات ضغطا على الحكومة في ظل الأعطال المتكررة وارتفاع الاستهلاك ونقص أعمال الصيانة والتطوير.
كما أن استهداف المنشآت النفطية داخل مناطق مأهولة يرفع من احتمالات وقوع خسائر بشرية وبيئية كبيرة، إذا امتدت الحرائق إلى خزانات رئيسية أو خطوط نقل الوقود، وهو ما دفع الشركات النفطية خلال الهجمات السابقة إلى إعلان حالات تأهب واسعة داخل المنشآت.
وتضع قضية الخلية التي أعلنت الحكومة تفكيكها السلطات أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على تقديم رواية متكاملة للرأي العام بشأن هوية المنفذين والجهات الداعمة لهم، خصوصا أن الإعلان الحكومي تحدث عن مخطط واسع لا يقتصر على منشآت النفط والكهرباء، إنما يمتد إلى استهداف شخصيات وقيادات سياسية وأمنية وعسكرية.
ولم تعلن الحكومة حتى الآن موعدا محددا للكشف عن نتائج التحقيقات النهائية، لكنها أكدت أن الملاحقات ستستمر داخل ليبيا وخارجها، وأن الإجراءات القانونية والقضائية ستشمل جميع المتورطين دون استثناء.
وبهذا الإعلان تنتقل قصة هجمات المسيّرات في غرب ليبيا من مرحلة الحوادث المتفرقة إلى ملف أمني أكثر تعقيدا، بعدما ربطت الحكومة بين عدد من الهجمات التي طالت طرابلس والزاوية وقالت إنها جزء من مخطط واحد، بينما تبقى هوية الجهات التي تقف خلف الخلية ودوافعها وحجم امتدادها الحلقة الأهم التي تنتظرها الأوساط الليبية مع تقدم التحقيقات.
حكومة الدبيبة تعلن تفكيك خلية استهدفت النفط والكهرباء

تعليقات الزوار
لا تعليقات