أخبار عاجلة

الجزائر وسياسة إعدام بالتلفون

يقول الرئيس الشاذلي بن جديد في مذكراته الصادرة منذ سنوات في الجزائر، عدت إليها بمناسبة ذكرى إعدام العقيد محمد شعباني، الذي يصادف الرابع من شهر سبتمبر.. بومدين هو الذي اتصل بي ليخبرني تلفونيا، أن الرئيس بن بلة عينني عضوا في محكمة العقيد شعباني مع ضباط آخرين، ليؤكد لي، عبر الهاتف دائما، أن الرئيس بن بلة يطلب منكم ـ المقصود الضباط الساميين أعضاء ما سمي بالمحكمة الثورية المنعقد في وهران – الحكم على محمد الشعباني بالإعدام، وإذا لم تصدقني اتصل بالرئيس عندما يأتي إلى العاصمة، وسيقول لك الكلام نفسه. صدّقت بومدين، فلم يكن من عادته الكذب عليّ، ليضيف الشاذلي أن المحاكمة لم تستغرق من الوقت طويلا، وبعد المداولة، حكم على الشعباني بالإعدام، بتهمة محاولة التمرد على الحكم وزرع الفتنة في صفوف الجيش.
ليكمل الشاذلي أنه وبعد النطق بالحكم مباشرة التقت نظراتنا، وانتابني في تلك اللحظة شعور، بأن لا أحد منا مقتنع بهذا الحكم، أنا كعسكري امتثلت لأمر الرئيس ولم يكن في وسعي رفضه، لكن من أجل إنقاذ حياة شعباني، طلبنا من العقيد السعيد عبيد، قائد الناحية العسكرية الأولى أن يتصل ـ باسمنا كلنا ـ بابن بلة لطلب العفو وتغيير حكم الإعدام بالمؤبد، لكن رئيس الجمهورية الذي يملك دستوريا حق العفو رفضه وأصر على تنفيذ الحكم بسرعة، لدرجة أنه طلب من السعيد عبيد عدم الاتصال به مرة ثانية، وهو يكيل الشتائم له ولأمه.
هذا ما جاء في مذكرات الشاذلي بن جديد المنشورة بدار القصبة، في الصفحتين 210-211 وهو يتحدث عن قرار إعدام العقيد محمد شعباني، قائد الولاية السادسة خلال الساعات الأولى من فجر الرابع من سبتمبر 1964 في غابة الكناستيل، الذي تم تنفيذه في وقت قياسي، كانت الجزائر ما زالت تحت وطأة ما حصل من صراع عسكري على السلطة بين النخب السياسية – العسكرية الصاعدة، ميز بداية الاستقلال، بما عرفته كفترة من ابتذال في استعمال العنف للوصول إلى تحقيق أهدافها، علما بأن الرئيس الشاذلي هو الذي أعاد الاعتبار للعقيد شعباني على غرار وجوه تاريخية أخرى، تعبيرا ربما عن هذا الندم الذي يمكن تلمس بعض أوجهه، وهو يسرد هذه الأحداث التي عاشها عن قرب، في مذكراته المنشورة في 2011 في الجزائر.

أعود للحديث عن هذه الحادثة الحزينة بعد 62 سنة، في وقت ساد فيه الكلام عن عودة تنفيذ أحكام الإعدام في الجزائر، بعد توقف لسنوات، قرره الرئيس عبد المجيد تبون، في ما يتعلق بالحرق العمد للغابات، بعد سلسلة الحرائق المهولة التي عاشتها ولايات الشمال الشرقي في الجزائر في أواخر شهر أغسطس المنصرم، لنلاحظ أن الندم الذي عبر عنه الرئيس الشاذلي في مذكراته، لم يمنع من تنفيذ حكم الإعدام في هذا العقيد الشاب – لم يتجاوز 30 سنة عندما نفذ فيه الحكم – من قبل محكمة عسكرية لم تعد قائمة في الحالة الجزائرية منذ سنوات، لكن البلد لم يقطع نهائيا مع الثقافة السياسية الحاضرة كخلفية، كما تظهر بجلاء من خلال مذكرات الرئيس الشاذلي وهو يسرد تفاصيل محاكمة الشعباني، التي كان غير مقتنع بها مثل غيره من أعضاء المحكمة، لكنه لم يرفضها بحجة تلقي تعليمات من قبل رئيس الجمهورية وصلته عبر التلفون، لم يتأكد منها لاحقا كما اقترح عليه بومدين ذلك عبر الاتصال مع الرئيس بن بلة، رغم أن الأمر يتعلق بحياة قائد عسكري ورفيق سلاح، والأهم من ذاك أن أعضاء المحكمة لم يكونوا – ومنهم الشاذلي نفسه – مقتنعين بهذا الحكم، كما جاء في هذه الشهادة التي أدلى بها الرئيس الشاذلي، سنوات بعد هذه الحادثة المأساوية، التي دشنت الجزائر استقلالها بها، من دون أن يبادروا بالتعبير عن رأيهم بشكل علني أثناء الحدث ذاته، مسايرة للتنشئة الاجتماعية، التي حصلوا عليها في مجتمع لا يؤمن برأي الفرد الحر، حتى إن كان ضابطا ساميا، في موقع يقرر فيه مصائر الناس، بين الحياة والموت.
أحكام إعدام تجد من يدافع عنها لدى جزء واسع نسبيا من الرأي العام الشعبي الواقع، تحت تأثير أفكار شعبوية يمينية محافظة، بخلفيتها الأنثروبولوجية المقدسة للعنف، كوسيلة حل مثلى للصراع بين البشر، لا تختلف عن تلك الحاضرة عند أقصى اليمين على المستوى الدولي، عكس بعض النخب العصرية قليلة العدد لغاية الآن التي تحاول خلق النقاش في ساحة سياسية وإعلامية مغلقة، لتدافع عن رفضها لأحكام الإعدام، إيمانا منها بقيم حقوقية ما زالت ضعيفة الحضور بين الجزائريين، عكس القيم التي تريد تكريسها هذه الاتجاهات اليمينية المتطرفة لدى الشارع الجزائري، اعتمادا على العمق الديني المحافظ، يراد لها أن تنتشر شعبيا اعتمادا على هذا الغلق للساحة السياسية والإعلامية، تستعمل فيه مؤسسات الإعلام الرسمي الذي لا يسمح بالنقاش التعددي الحر بين الجزائريين، ما ساعد على نشر الأفكار المؤيدة للإعدام لدى جزء من النخب الجزائرية كذلك المتأثرة بالخطاب الرسمي، نجدها حاضرة داخل مراكز القرار بمختلف أشكالها السياسية الإعلامية والثقافية، تريد دعم المطالبة بتوسيع تطبيق الإعدام في قضايا أخرى، بدأ التركيز عليها في الخطاب الإعلامي السائد، على غرار الترويج للمخدرات التي استفحلت كظاهرة في المدة الأخيرة، كما يبينه العديد من المؤشرات، بالإضافة للاعتداء على الأطفال القًصر، يمكن أن يتوسع إلى مجالات أخرى ما زالت مفتوحة، في وقت هذا الانغلاق السياسي الذي تعيشه النخب الحاكمة الجزائرية.
قرار تنفيذ أحكام الإعدام، يريد رئيس الجمهورية العودة إليه، في ظرف ما زال الرأي العام الوطني تحت وقع كارثة حرائق الغابات، التي حصلت في بعض ولايات الشرق الجزائري، التي لم يتم التصريح إلا بعدد قليل جدا من خسائرها البشرية، مقابل هول آثارها المدمرة على الطبيعة الظاهرة للعيان، في منطقة تعتمد أساسا على زراعة جبلية محدودة الإمكانيات، زادت في تعميق الشكوك حول خسائرها، ولم تنقص منها على مستوى المواطن الجزائري، وهو يعاين قوتها التدميرية على الطبيعة في هذه المناطق الجبلية الجميلة، لتحصل هذه المطالبة الرسمية بتنفيذ أحكام الإعدام قبل الانتهاء من التحقيقات التي باشرتها المؤسسة الأمنية، وقبل أن تقول العدالة رأيها في أسباب وخلفيات هذه الحرائق المدمرة التي عاشتها الجزائر أكثر من مرة في السنوات الأخيرة، مثلما حصل في بلدان المتوسط الكبيرة والمتوسطة، في وقت تعيش فيه الكرة الأرضية تحولات مناخية تتجه نحو حدة أكبر،، ستبقى تأثيراتها السلبية حاضرة بقوة كاتجاه ثقيل يفرض على كل بلدان العالم التكيف معها بتحضير إمكانيات مقاومتها البشرية والمادية، والعمل على تغيير سلوك مواطنيها عبر ثقافة عمل وحياة جديدة صديقة للطبيعة، لا تلغي حضور الطابع الاجرامي في بعض الأحيان، الذي يبقى من اختصاص العدالة والأجهزة الأمنية الكشف عنه، من دون إفراط ولا تفريط، بعيدا عن ثقافة المؤامرة السائدة وطنيا التي ترى عند كل تقصير في جمع النفايات الصلبة، من قبل مصالح البلدية، مشروع حرق للغابة!

ناصر جابي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات