عادت إلى الواجهة السياسية الموريتانية من جديد، دعوات صريحة داخل صف المولاة، تطالب بولاية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وهي دعوات كانت قد بدأت بأصوات هامسة متفرقة لتتخذ خلال اليومين الأخيرين شكلاً أكثر تنظيماً، بعد انتقالها إلى بيانات جماعية لمنتخبين وأطر وفاعلين في ولايتي الترارزة ولبراكنه، ووصول بعضها إلى المطالبة الصريحة بتعديل الدستور.
ويمنح هذا التطور الجدل بعداً جديداً لهذه القضية التي باتت الشاغل الأكبر للمشهد السياسي الموريتاني حاليا، فالقضية لم تعد مجرد تصريحات لشخصيات موالية تتنافس على إعلان تمسكها باستمرار الرئيس، وإنما أصبحت تتقاطع فيها ثلاثة مسارات: حراك سياسي آخذ في الاتساع، وجدال دستوري حول إمكانية المساس بسقف الولايتين، وتحرك قضائي بدأه معارضون ضد مروجي الفكرة.
وجاء أحدث تطورات الحملة من الجنوب الموريتاني، حيث أعلن منتخبون وأطر ومسؤولون وفاعلون سياسيون واجتماعيون في ولاية الترارزة، في «بيان الترارزة»، دعمهم لفتح نقاش وطني حول السبل الدستورية والقانونية التي يمكن أن تتيح للغزواني الترشح لولاية ثالثة، مقدمين «استمرارية المشروع الوطني» مبرراً لهذا الخيار، وتم ذلك في بيان صدر في ختام محطة روصو من جولة منسق العمل الحزبي لحزب الإنصاف الحاكم.
ولم تتأخر ولاية لبراكنه في اللحاق بهذا الاتجاه، لكن بصيغة أكثر مباشرة، إذ دعا «بيان لبراكنه»، الصادر عن منتخبين وأطر وفاعلين في الولاية، إلى إجراء تعديلات دستورية «وفق الضوابط والآليات السياسية والدستورية» تسمح للرئيس بالترشح لولاية ثالثة، معتبرين أن استمرار مسار الإصلاح والتنمية يقتضي مواصلة قيادته للبلاد.
وتكشف المقارنة بين بياني الولايتين عن تطور في لغة الحملة نفسها، فولاية الترارزة تدعو إلى «نقاش وطني» للبحث عن السبل القانونية والدستورية، بينما تنتقل لبراكنه خطوة أبعد، فتحدد تعديل الدستور باعتباره الطريق إلى الولاية الثالثة.
ويكتسب صدور الموقفين بالتزامن مع جولات حزب الإنصاف المتواصلة حاليا في الداخل أهمية سياسية، من دون أن يعني ذلك أن الحزب أو الرئاسة تبنيا رسمياً مشروع تعديل الدستور، إذ لم تعلن حتى الآن مبادرة مؤسسية بهذا الاتجاه.
غير أن توالي المواقف يجعل الولاية الثالثة أكثر من مجرد بالون سياسي عابر. فقبل البيانين كانت الدعوات قد صدرت عن منتخبين ومسؤولين في مناطق أخرى، بل وصل بعضها إلى المطالبة بولايتين ثالثة ورابعة، فيما باتت مفردة «الاستمرارية» العنوان الأكثر استخداماً لتبرير إبقاء الرئيس في السلطة بعد 2029.
ويقول أنصار هذا الاتجاه إن استمرار الغزواني ضروري لاستكمال المشاريع الاقتصادية والاجتماعية والبنى التحتية والحفاظ على الاستقرار، لكن خصومهم يقلبون الحجة نفسها، معتبرين أن الدولة المؤسسية يفترض أن تضمن استمرارية السياسات والمشاريع مع تداول الأشخاص، وأن ربط استمرار الإصلاح ببقاء رئيس بعينه يفرغ مبدأ التداول من معناه.
وإذا كان الخلاف السياسي يسمح بتعدد القراءات، فإن العقدة الأصعب أمام دعاة الولاية الثالثة تبقى دستورية.
فقد دخل الدكتور محمدو ولد محمد المختار، أستاذ القانون العام وعميد كلية القانون والاقتصاد والتسيير بجامعة نواذيبو، على خط النقاش بقراءة استند فيها إلى المواد 2 و28 و29 و99 من الدستور، وخلص إلى أن مبدأ التناوب الديمقراطي وقاعدة الولايتين ليسا مجرد ترتيب سياسي يمكن تغييره بتوفر أغلبية راغبة في ذلك، بل يتمتعان بحماية دستورية خاصة.
ويرى ولد محمد المختار أن المادة 99 تجعل الأحكام المتعلقة بعدد الولايات من القيود التي لا يجوز الشروع في مراجعتها، وأن الاستفتاء الشعبي لا يمكنه، وفق هذه القراءة، تصحيح مسار حظر الدستور إطلاقه أصلاً.
وأضاف الخبير بعداً آخر يتعلق بالمادة 29 واليمين الدستورية التي يؤديها رئيس الجمهورية، والتي تلزمه بعدم اتخاذ أو دعم مبادرة تستهدف مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة الولاية وشروط تجديدها.
وبذلك، فإن المشكلة، وفق قراءته، لا تبدأ عند سؤال ما إذا كانت الأغلبية البرلمانية أو الشعبية متوفرة لتغيير الدستور، وإنما قبل ذلك: هل توجد أصلاً سلطة دستورية تملك إطلاق مراجعة تمس هذه الأحكام؟ ويخلص إلى أن طريق المراجعة الدستورية العادية لا يسمح بإزالة قاعدة المأموريتين.
وفي مقابل اتساع الحملة، انتقلت المعارضة من إصدار المواقف السياسية إلى التحرك القضائي.
فقد أودعت مجموعة من الناشطين والسياسيين المعارضين، بمبادرة من الأمين العام لحزب العمال الموريتاني وجاها الأدهم، شكوى لدى محكمة نواكشوط الغربية ضد المطالبين بولاية ثالثة، معتبرين هذه الدعوات سعياً إلى خرق الدستور والمساس بمواد محصنة، وطالبوا بتحريك الدعوى العمومية ضد أصحابها.
وتكتسي هذه الشكوى أهمية سياسية حتى قبل معرفة المسار الذي سيأخذه القضاء بشأنها، لأنها تنقل المواجهة من سؤال سياسي حول أحقية الرئيس في الاستمرار إلى سؤال قانوني بشأن ما إذا كانت الدعوة نفسها إلى تغيير المواد المحصنة تقع ضمن حرية التعبير السياسي أم يمكن أن ترتب مسؤولية قانونية.
وكان قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية قد أعلن رفضه القاطع للدعوات المتصاعدة، ولا سيما صدورها عن وزراء ومنتخبين وموظفين سامين، محذراً من أن المساس بقيود الولايات يهدد التداول السلمي والاستقرار السياسي والمؤسسي. كما اعتبر أن إثارة الملف تصرف الاهتمام عن قضايا الأسعار والبطالة والخدمات والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
لكن المفارقة الرئيسية في كل هذا الحراك أن الرجل المعني به مباشرة لا يزال خارج الحملة.
فالغزواني لم يعلن رغبته في تعديل الدستور أو الترشح لولاية ثالثة، بل وصف الحديث المبكر عن «أجندات 2029» بأنه تشويش على عمل النظام والحكومة وتنفيذ البرنامج الذي انتخب على أساسه.
وتفتح هذه المسافة بين الرئيس وأنصاره الباب أمام قراءتين: إحداهما ترى في الحملة سباقاً تقليدياً داخل الموالاة للتقرب من الرئيس وإظهار الولاء، فيما تخشى المعارضة أن تكون العملية اختباراً تدريجياً للرأي العام، يبدأ بالمبادرات المحلية قبل الانتقال، في مرحلة لاحقة، إلى مستوى حزبي أو برلماني.
ولا توجد حتى الآن معطيات تثبت أن الرئاسة تدير هذه الحملة، وهو ما يجعل التمييز ضرورياً بين مطالب أنصار الغزواني وبين موقفه الشخصي والرسمي.
ذاكرة الولاية الثالثة
ويستدعي الجدل الحالي تلقائياً ما عاشته موريتانيا في نهاية حكم الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، عندما تصاعدت داخل الأغلبية دعوات إلى تعديل الدستور بما يسمح باستمراره بعد مأموريته الثانية، قبل أن يحسم الرئيس السابق الأمر في النهاية بعدم الترشح، وتنتقل السلطة عام 2019 إلى الغزواني.
لكن الفارق هذه المرة هو التوقيت؛ فالجدل السابق بلغ ذروته قرب نهاية حكم ولد عبد العزيز، بينما تبدأ حملة الولاية الثالثة الحالية والغزواني لا يزال في مرحلة مبكرة نسبياً من مأموريته الثانية التي بدأت عام 2024.
ولهذا قد يكون الأثر الأهم للحملة سابقاً بكثير لانتخابات 2029، فهي قادرة على إعادة ترتيب العلاقات داخل الأغلبية، ودفع المعارضة إلى توحيد صفوفها حول الدفاع عن سقف المأموريتين، وإلقاء ملف شديد الحساسية فوق طاولة الحوار الوطني حتى وإن لم يكن ضمن أجندته المتفق عليها.
وبين «بيان الترارزة» الذي يطلب فتح النقاش، و»بيان لبراكنه» الذي يقترح تعديل الدستور، ورأي قانوني يعتبر طريق المراجعة العادية مغلقاً، وشكوى قضائية تريد نقل القضية إلى المحاكم، يبدو أن الولاية الثالثة خرجت من هامش المشهد السياسي إلى قلبه.
ولعل السؤال لم يعد الآن ما إذا كان الجدل سيستمر، بل إلى أين سينتقل بعد الولايات؟ فإذا وصل إلى قيادة الحزب الحاكم أو البرلمان وتحول من بيانات ولاء إلى مبادرة دستورية فعلية، ستكون موريتانيا أمام اختبار يتجاوز مستقبل الغزواني الشخصي إلى مستقبل إحدى أهم قواعد نظامها السياسي: هل تبقى المأموريتان سقفاً مستقراً للتداول، أم يصبح سقف الحكم نفسه موضوع المعركة السياسية الكبرى المقبلة؟

تعليقات الزوار
لا تعليقات