في خضمّ أزمة سبتة التي وقعت (مصادفةً؟) بعد زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، رجعت صحف إسبانية خمس سنوات إلى الوراء، لتستحضر قصّة دخول زعيم «البوليساريو»، عزيز غالي، إلى إسبانيا من أجل العلاج، بجواز سفر جزائري وهوية مزيّفة تحت اسم «محمد بن بطوش»، ما أدى إلى تشنّج العلاقات بين الرباط ومدريد، قبل أن تعود المياه إلى مجاريها إثر اعتراف حكومة سانشيز بالسيادة المغربية على الصحراء.
ومنذ أيام قلائل، في ذروة الانشغال بموضوع الهجرة غير النظامية نحو المدينة المحتلة، وهو الحدث الذي اختلف المحللون حول تفسير أسبابه وخلفياته، بَثّ التلفزيون الجزائري تصريحًا لشخص قيل إنه مواطن مغربي دخل الجزائر مهاجرًا سريًا، بحثًا عن ظروف أفضل للعيش، فقُوبل بالترحاب كما قال، و«بالأحضان يا وطني» حسب تعبير برنامج شهير كان يُقدَّم على أثير إذاعة وجدة!

وسرعان ما اكتشف المغاربة زيف تلك الادّعاءات، وأدركوا بسهولة أنّ المشهد «مُفبْرَك»، وأنّ مَن كتبوا السيناريو ووضعوا الإخراج في التلفزيون الجزائري ليسوا محترفين كما ينبغي الاحتراف، فلم يُفلحوا في الإتقان المطلوب ليوهموا الجمهور بأن المشهد حقيقي وواقعي، وليس مجرّد تمثيل. ودليل ذلك أنّ الشخص الذي قُدّم على أنه مهاجر سري لم يكن يتحدث باللهجة المغربية كما هي، إذ كانت تغلب عليه اللهجة الجزائرية بقاموسها وصيغها التعبيرية الخاصة!
فتّش عن العلاقة بين بطّوش وكطّوع!
«الطّامة الكبرى» أن واضعي المشهد «المُفبْرك» اختاروا لذلك الممثل «الفاشل» اسم «حميد كطّوع». وللمصادفة العجيبة أن هذا اللقب المصطنع «كطّوع» يُشبه ذلك الذي أُعطِيَ لزعيم البوليساريو حين زار إسبانيا: ابن بطّوش، «بطّوش» على وزن «كطّوع»… فَعُّولْ… نَحّولْ! (هل تتذكرون شخصية أحد الرسوم الكارتونية؟) ولو بَحث الباحثون ونَقّب المنقّبون عن لقب «كطّوع» لما وجدوا له أثرًا على طول خريطة المغرب وعرضها.
سؤال بسيط مُوجَّه إلى القائمين على الإعلام في الجزائر: هل تحقّقتم جدّيًا في ما أقدم عليه مَن سَمّيتمُوه «حميد كطّوع»؟ ألم يكن ـ مثلاً ـ قاصدًا سبتة المحتلة سباحةً، مع باقي «الحرّاقة»، انطلاقًا من مدينة الفنيدق؛ ولكنّ الأمواج العاتية والرياح القوية التي تجري بما لا تشتهي السفن حوّلت اتّجاه السبّاح المسكين من الغرب إلى الشرق، فوجد نفسه في حضن «جنّة» أخرى جارة للمغرب، أفضل من إسبانيا؟!
المهمّ أن التلفزيون الجزائري أُوحِيَ إليه بأنه جرى «اكتشاف» صيد ثمين: مواطن مغربي «فقير» في أرض المليون شهيد، ولم يكتشف التلفزيون نفسه بأن هناك مواطنين جزائريين كانوا من بين المرشّحين للهجرة نحو إسبانيا عبر بلاد طارق بن زياد وابن بطوطة!
لكن «ابن بطّوطة» هذا ـ للتّذكير فحسب ـ لا علاقة له البتّة بـ «ابن بطّوش»؛ مع أن الأخير دخل إسبانيا متنكّرًا بهوية مزوّرة، في حين دخل «ابن بطّوطة» ـ قبله بقرون ـ الأندلس دون خجل أو وجل، كما زار سبتة المغربية، قبل أن يحتلّها البرتغال ثم الإسبان!
«كلنا في الهم شرق»!
الواقع أن قصة المهاجر المغربي المزوّر التي روّجتها وسائل الإعلام الجزائرية تندرج ضمن ما يُطلق عليه «استراتيجية الإلهاء» ـ كما نظّرَ لها العالم الأمريكي نعوم تشومسكي ـ كمحاولة لشغل الأشقاء الجزائريين عن مشكلاتهم الحقيقية مع المعيش اليومي.
مهلاً! لا ينبغي أن يغضب أحدٌ من هذا الاستنتاج، فـ «كُلُّنَا في الهم شرق» كما قال أحمد شوقي! وآية ذلك أن المغرب يعيش هذه الأيام الوضعية نفسها تقريبًا، من خلال ترويج أحداث هامشية وتضخيم قصص بسيطة، لجعلها موضوع الساعة في شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف تحويل انتباه المواطن المغربي عن القضايا الأساسية، وفي مقدمتها قضية «الهروب الجماعي» نحو سبتة الذي حار في فكّ طلاسمه العلماء والمفكرون والخبراء والفلاسفة وغيرهم… علاوة على قضية الغلاء غير المسبوق لأسعار المواد الاستهلاكية في عهد حكومة تحالف المال مع السلطة التي لا تأخذها شفقة ولا رحمة على الضعفاء ومحدودي الدخل.
وكمثال على «استراتيجية الإلهاء» الانشغال بالصراع الشخصي الدائر حاليًا بين رئيس حزب معارض وناشر إعلامي، حيث صار الموضوع طاغيًا على السجالات الافتراضية، وانقسم الناس بين مؤيّدين لهذا أو لذاك. وكل فئة تكيل المديح إلى الطرف الذي تناصره والهجاء إلى الطرف الثاني الذي تعاديه.
آخرون صار شغلهم الشاغل هو «المؤثّرة» التي تُوبعتْ قضائيًا ثم أُدينتْ بتهمة الإخلال بالحياء العام، من خلال بثّ فيديوهات مثيرة. ومن جديد، انقسمت الآراء ما بين الدفاع عن «المؤثّرة» نفسها بحجة حرية التعبير، وبين مهاجمتها بذريعة حماية المجتمع من الفساد الأخلاقي.
وفي واقع انتفت فيه ضوابط الممارسة الإعلامية السليمة، واختلط الحابل بالنابل، صار كل حامل «إسفنجة» تشبه «ميكروفونًا»، يحسب نفسه صحافيًا يقتات من صفحة «فيسبوكية» أو من موقع إلكتروني، ويزاحم الإعلاميين الحقيقيين. وبالتالي، أمسى الهدف هو الجري وراء تحقيق نسب مشاهدات عالية، طمعًا في الأرباح المادية على حساب القيم الإنسانية وأخلاقيات المهنة.
وهكذا، صار هذا «الجيش» الافتراضي من أصحاب «الإسفنجات»، يُقدَّم على كونه «الإعلام البديل»، ويُوظَّف لضرب عصفورين بحجرة واحدة: إقصاء الصحافة الجادة ذات التوجهات النقدية تجاه السياسات العامة، وتطبيق بعض بنود «استراتيجية الإلهاء» تجاه الشعب. فلا عجب أنه انتشر خلال الأيام الأخيرة فيديو يُظهِر مجموعة من «الإسفنجات» عفوًا «الميكروفونات» مختلفة الألوان والأشكال، موضوعة أمام مطرب شعبي من الدرجة العاشرة بالألف، بما يفيد أن المتحلّقين حوله يعقدون معه مؤتمرًا صحافيًا، وينتظرون منه أجوبة خارقة وأفكارًا نيرة؛ فإذا بفخامته ـ تحت سحر الأضواء والكاميرات المُشغَّلة ـ يقف مُنفعلاً في وجه بعض الحاضرين، ويُطلق بصاقًا، ثم يغادر قاعة «المؤتمر الصحافي» غاضبًا!
خطباء أم مقدّمو نشرات؟!
أقترح أن تتحول وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في المغرب إلى وزارة الإعلام؛ وسبب هذا الاقتراح أنها حوّلت خطباء الجمعة إلى «مُقدّمي نشرات أخبار» فقط، إذ أن الوزارة تهييّء خطبة واحدة حول موضوع واحد، ثم توزّعها على جميع المساجد في مختلف المدن والقرى. ويكون مطلوبًا من الإمام أن يقرأ تلك الخطبة أمام المصلّين، دون أن ينقص منها أو يزيد عليها حرفًا واحدًا. ومن فعل ذلك فلن يلومنّ سوى نفسه!
حين يذهب المسلم لأداء صلاة الجمعة فإنه ينتظر من الإمام أن يتحدث بلغة بسيطة عن أمور الدين، وأن يدلّه على الحكم الشرعي الصريح في عدد من القضايا الراهنة المتصلة بالمعاملات. أما وزارة الأوقاف فقد جعلت الخطبة درسًا ركيكًا في المواطنة وواجبات المواطن تجاه بلده، كما حدث الأسبوع الماضي، وكأنها تردّ على النقاشات الدائرة حول خلفيات «أزمة» سبتة!
المغاربة يطّلعون مسبقًا على الخطبة منشورةً يوم الأربعاء على الموقع الإلكتروني للوزارة، فما فائدة الإنصات إليها يوم الجمعة؟ سؤال يردده الكثيرون، بعدما أصبحت الخطبة باردةً وبلا روح، وصار الإمام بلا مهمة، سوى قراءة الورقة التي يرسلها إليه مندوب الوزارة.
حبّذا لو كلّفت الجهة الوصية أحد المذيعين بذلك، فربما يكون أفصح في الكلام، ويشدّ انتباه المصلّين قبل أن يتسرب الملل إلى نفوسهم! ومع ذلك، فلن ينساق الناس مع أية محاولة للتنفير من الصلاة الجماعية الواجبة.
الطاهر الطويل

تعليقات الزوار
لا تعليقات