أخبار عاجلة

الإنهاك يهدد العلاقات الجزائرية الفرنسية بالشلل

في هذا العالم هناك نماذج كثيرة للعلاقات الثنائية الهشّة والغامضة. وزاد تداخل المصالح وتنامي الخلافات داخل الفضاء الواحد وفي المنطقة الواحدة وبين دول تبدو في الظاهر حليفة بعضها لبعض، زاد من الغموض وصعوبة الجزم. لكن من النادر أن شهد العالم علاقات ثنائية تتخبط بلا توقف، تتحسن وتنهار في السنة الواحدة أكثر من مرة، بسبب وجيه وبدون، مثلما هو الحال بين الجزائر وفرنسا.
إذا كانت العلاقات العادية بين الدول محكومة أكثر بالحاضر والمستقبل، فالعلاقات الجزائرية الفرنسية محكومة بكل هذا، ومحكومة أكثر بماض بعيد يمتد قرنين كاملين مثقلين بكل أنواع العنف وأسباب الاختلاف والحقد.
عندما أعلنت الرئاسة الفرنسية في بيان رسمي الأسبوع الماضي (عقب اتصال هاتفي بين إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون) أن تبون سيؤدي زيارة دولة إلى باريس في نهاية أيلول (سبتمبر) أو تشرين الأول (أكتوبر) المقبلين، بدا الأمر مبكرا جدا وسابقا لأوانه. خلال الأشهر السبعة التي تفصل عن الموعد المتفق عليه يمكن أن تحدث أشياء كثيرة تؤثر على الزيارة وموعدها وترتيباتها، ويمكن أن تنسفها كليا وتعيد العلاقات إلى المربع الأول، كما حدث مع زيارتين سابقتين جرى الاتفاق عليهما منذ 2020 لكنهما «ضاعتا» بين تأجيل وإلغاء.
ماذا يمكن أن يحدث؟ الكثير! هناك العلاقات الفرنسية المغربية التي شهدت تقاربا بعد سنوات من الفتور. في صلب العلاقات الفرنسية المغربية قضايا كثيرة أبرزها التجارة والاستثمارات، لكن الأهم بالنسبة للجزائر الرسمية، موضوع الصحراء الغربية. وهنا اختارت باريس أن تراجع موقفها التقليدي الذي كان محايدا بشكل يريح الجزائر، في اتجاه يخدم المغرب أكثر.
هناك الوضع في دول الساحل الإفريقي. في هذه المنطقة المتشعبة والخطيرة راكمت فرنسا والجزائر الكثير من أسباب الخلاف، ومارستا الكثير من «اللعب» الاستخباراتي والدبلوماسي المتناقض، ولا تزالان. انسحاب فرنسا عسكريا من العديد من دول الساحل الإفريقي، لا يعني أنها رفعت يديها واستسلمت. وخسارة الجزائر بعض المربعات هناك لا يعني أنها ستستسلم هي الأخرى.
هناك الصحافة الفرنسية ومقاربتها للجزائر. لا يمكن القول إن الصحافة الفرنسية حاليا على ود مع الجزائر (لم تكن يوميا). المشكلة بالنسبة للمسؤولين الجزائريين أن السلطات العليا في فرنسا لا تسيطر على الصحافة. يمكن للرئاسة أن توجهها أو تنصحها، لكنها لن تمنعها من نشر شيء سلبي عن الجزائر أو تبون. والسلطات الجزائرية شديدة الحساسية مما تنشر عنها الصحافة الفرنسية، وتنتظر من باريس أن تكمم صحافتها كما تكمم هي الصحافة الجزائرية. حساسية الأمر تكمن أيضا في وجود أطراف في أوساط الحكم بالجزائر مستعدة للتضحية بالعلاقات مع باريس بسبب كاريكاتير أو مقال في جريدة فرنسية.
هناك الوسط السياسي الفرنسي ونظرته للجزائر. من السهل على أيّ متابع أن يلاحظ أن هذا الوسط في مجمله غير متحمس للجزائر. المشكلة الأخرى أن الكلمة العليا في هذا الوسط لتيار اليمين التقليدي واليمين المتطرف، وكلاهما لا يرى الجزائر إلا بعين الهجرة والإسلام واتفاقية 1968.
الوضع مشابه في الجزائر من حيث المقاربة الإعلامية والسياسية تجاه فرنسا، مع فرق جوهري هو أن باريس ليست بمثل حساسية الجزائر ولا تترك هذه الحساسية تتغلب على المصالح.

لديَّ المزيد: هناك رجل قد يصبح مشكلة في طريق جهود التطبيع بين العاصمتين: اسمه كْزافييه دريانكور. هو سفير فرنسا السابق في الجزائر. عمل فيها ثماني سنوات على فترتين قبل أن يغادرها في منتصف 2020. هذا الرجل وحده كفيل بتخريب العلاقات الجزائرية الفرنسية متى يشاء وفي لحظات، بالنظر إلى حساسية المسؤولين الجزائريين منه وعجز نظرائهم الفرنسيين عن لجمه. يعرف دريانكور الكثير من الأسرار والمعلومات التي لا يحب المسؤولون الجزائريون سماعها عن أنفسهم وبلادهم. خطره على العلاقات بين البلدين أنه كثير الكلام ويحسن اختيار العبارات التي توجع وتضمينها الرسائل المزعجة. منذ تقاعده في 2020 لا يتوقف عن الحديث سلبا عن الجزائر واعتبارها موضوعا غير محبب من السياسة الداخلية في فرنسا.
أما خطر دريانكور الأكبر على جهود التقارب بين البلدين، فيكمن في التحاقه حديثا بحزب التجمع الوطني (الجبهة القومية سابقا) مستشارا لقيادته في القضايا الدبلوماسية. التجمع الوطني هو حزب عائلة لوبان بكل ما تحمله هذه العائلة من مواقف يمينية متطرفة ومن أحقاد شخصية تجاه الجزائر تعود إلى الفترة الاستعمارية.
اتضح منذ سنتين أن دريانكور يحلم بحضور سياسي ولا يكتفي بتقاعده المريح. وأرسل إشارات كثيرة على أنه منسجم مع اليمين المتطرف، لهذا كان التحاقه بالتجمع الوطني نصف مفاجأة. التحاق أكثر سفير فرنسي يعرف الجزائر بالتجمع الوطني هدية من السماء لم تحلم بها قيادة هذا الحزب قط.
ما يجعل زيارة تبون «الجديدة» معرَّضة للإلغاء (تصفه العاصمتان دبلوماسيا بالتأجيل) أن العلاقات الثنائية لم تشهد منذ «تأجيل» الزيارة السابقة قبل عام بالضبط، أي تطورات إيجابية، ظاهريا على الأقل. بل لقد شهدت تنامي من أسباب الخلاف أكثر من دواعي التقارب. في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي أوضح وزير الخارجية أحمد عطاف في مقابلة مع شبكة الجزيرة أن ظروف زيارة ناجحة لتبون إلى باريس غير متوفرة الآن، وعدَّد خمسة أسباب (الواحد منها يحتاج إلى سنوات من التفاوض) قال إنها تعرقل الزيارة. فماذا تغيّر خلال ثلاثة أشهر؟
ولو افترضنا بشيء من التفاؤل أن الزيارة تمت وكُللت بالنجاح، فلن تكون الحل السحري للخلافات المزمنة العالقة بين البلدين. ولن تكون علاجا لأسبابها المعقّدة، الحقيقية والمزيفة، القديمة والحديثة، الثابتة والعابرة.
مشكلة العلاقات الجزائرية الفرنسية أنها في البلدين تُحمَّل أكثر مما تطيق. زيارات الرؤساء في الاتجاهين تُحمَّل هي الأخرى أكثر من طاقتها وتُعلَّق عليها آمال كبرى خطأ وبلا منطق.
المطلوب هنا وهناك التوقف عن تقديس الزيارات. وكذلك الكف عن تناول علاقات البلدين بالشحناء والعواطف الجياشة. مصالح البلدين والشعبين تتطلب جرأة وواقعية وإنقاذ هذه العلاقات من سماسرة في البلدين جعلوا منها مصدر ريع سياسي وتاريخي ومادي لا يريدونه أن ينضب.

توفيق رباحي

اضف تعليق

شارك

تعليقات الزوار

احمد العربى

عاش من عرف قدره وجلس مع ....؟

لامجال للمقارنة بين المادى والمعنوى بين البلدين. فرنسا هي فرنسا وجزائر فرنسا حسب الواقع والحقيقة تبقى محكومة بمعاهدة ،ولهدا كم يلزم من التضحية والزمن حتى نتحدث عن الدولة الجزائرية ،

الشرقاوي

حجة وعمرة

تبون سيؤدي زيارة حجة وعمرة إلى باريس

ابراهيم

العلاقة الفرنسية الجزاءرية ككرة العجينة الملونة ن

مقال جيد و ممتاز