لم تكن الحرب الأوكرانية هي الصانعة لعملية كسر أحادية القطب الأمريكية التي استمرت لسنوات بصورة استثنائية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، بل جاءت هذه الحرب كاشفة فقط لعملية التحول هذه. نحن نعيش اليوم في عالم متعدد الأقطاب تتجه فيه الولايات المتحدة والغرب نحو الأفول بينما تصعد القوى التي كانت في الأمس قوى إقليمية لتصبح اليوم قوى عالمية ذات وزن ثقيل ومُرَجِح في المشهد العالمي.
بادئ ذي بدء، أصرت القوى الغربية (الولايات المتحدة وأوربا) على أن بوتين وقع في مستنقع أوكرانيا وبأنه وقع في الفخ الأمريكي. وروجت وتروج وسائل الإعلام لنظرية الانهيار الروسي بفعل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. تغيرت هذه المعادلة بشكل سريع بسبب وقوف الحلفاء إلى جانب بعضهم البعض. وبالطبع لا بد هنا من التركيز على الدور الإيراني في تغيّر معادلة الصراع المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي.
كانت سياسات إيران في زمن الشاه تميل بشكل واضح إلى المعسكر الغربي وخصوصاً المعسكر الأمريكي، وبعد الثورة الإسلامية شهدت العلاقات الإيرانية مع المعسكر الغربي تحولا تاريخيا وذلك بسبب رفض مفهوم التبعية من قبل الدولة الإسلامية المتمسكة بأصول الدين الإسلامي الحنيف والدفاع عن المستضعفين في كل مكان في العالم. لقد أظهرت مقاومة الشعب الإيراني للأمبريالية الأمريكية زيف الإدعاءات الغربية حول الحرية ونشر الديمقراطية. الولايات المتحدة عاثت فساداً في العالم وتحولت هذه الدولة إلى وحش مفترس يضرب في كل مكان في العالم.
لقد وقفت الجمهورية الإسلامية في وجه هذا الوحش وقاومته وكبدته الخسائر الفادحة ودفعته للانسحاب من المنطقة برمتها. لقد خسرت الولايات المتحدة جميع حروبها في المنطقة بسبب الشعوب أولا وبسبب الدعم الذي تلقته هذه الشعوب من الدولة الشقيقة إيران. من منا يستطيع أن ينكر الدعم المادي والعسكري الذي قدمته إيران للعراق في مواجهة داعش بينما كانت الطائرات الأمريكية تلقي بالأسلحة والأغذية لعناصر داعش!!
من يستطيع أن ينكر الدعم اللا محدود لسوريا في الوقت الذي كان يتم تهريب العناصر الإرهابية إلى إسرائيل لعلاجهم!!! من يستطيع أن ينكر المساعدات الإيرانية للبنان على الرغم من الحصار الخانق الذي فرضته دول الخليج وإسرائيل والولايات المتحدة على لبنان!! من منا يستطيع أن ينكر دورها في الوقوف إلى جانب الشعب اليمني والشعب الفلسطيني!!!
بعد سنوات وسنوات من الصراع تتضح اليوم أهمية ومحورية دور إيران وتحولها إلى فاعل دولي مؤثر يغير من المعادلات إذا ما انخرطت بشكل فعّال في معادلة الصراع الغربي والشرقي.
لا تعتبر إيران عاملاً وازناً على الساحة الاقتصادية والسياسية وحسب بل يبدو أنها دخلت إلى الساحة العسكرية بقوة. يتحدث الأمريكيون عن أن طهران تتجه نحو تسليم مجموعة من الطائرات المسيرة إلى روسيا وستقوم بتدريب القوات الروسية على استخدام هذه الطائرات كما هناك تقارير تتحدث عن تسليم طهران لمجموعتة من الصواريخ البالستية إلى روسيا في حدث قد يغير مشهد الحرب بشكل جذري.
يظهر الغرب اليوم على أنه منظومة هشة ينهار اقتصادها أمام أعين العالم أجمع بسبب العقوبات على روسيا. هذه العقوبات التي صمتت لإركاع روسيا يبدو بأنها تساهم اليوم في إركاع أوربا والولايات المتحدة. يجب القول بأنّ كل المحاولات بالضغط على إيران للعودة إلى الاتفاق النووي قد فشلت وذلك لإن الغرب يريد من إيران أن تكون المنقذ لهم من دون تقديم أي ضمانات اقتصادية لإيران.
ولكن هيهات فالإيرانيون بما لهم من باع طويل في السياسة يعرفون اليوم نقاط ضعف الأوربيين ويعلمون جيداً مدى القوى التي وصلت إليها إيران خلال السنوات الماضية. إن هذا الفشل دفع بايدن إلى العودة إلى الشرق الأوسط في محاولة للضغط على السعودية والإمارات لزيادة صادرات النفط قبل الشتاء القارس الذي ينتظر أوربا والولايات المتحدة.
لقد بلغت معدلات التضخم في الولايات المتحدة مستويات غير مسبوقة كما يتوقع أن يخسر الحزب الديمقراطي للانتخابات النصفية بسبب هذه الأوضاع وعليه فقد “عادت حليمة إلى عادتها القديمة” كما يقول المثل العربي. عادت الولايات المتحدة إلى دول الخليج لممارسة الابتزاز مرة أخرى والاستفادة من الموارد النفطية لمنطقة الخليج.
إن حديثنا عن الدور الإيراني في منطقة الشرق الأوسط والعالم هو تمهيد لطرح سؤال محوري وهام بعد زيارة بايدن للمنطقة هذا السؤال هو: هل تعلمت السعودية ودول الخليج من الدروس السابقة أم أنها ستنساق نحو الأمريكي وتقوم بحل مشاكله مجاناً مرة أخرى؟
للإجابة على هذا السؤال يجب القول: إن كانت هناك قوى عاقلة في هذه البلدان فإنها ستراجع الدروس السابقة في عملية الانسحاب المفاجئ من أفغانستان، وعملية توريط أوكرانيا بالحرب دون تقديم مساعدات أو الانخراط في الحرب للدفاع عنها. إن كانت هناك قوى عاقلة عليها أن تعلم بأن ما يتم الترويج له من عمليات التطبيع التي تدعمها الولايات المتحدة ليست إلا لتحويلنا إلى أدوات في يد إسرائيل والولايات المتحدة. إن كان هناك قوى عاقلة حقاً في الإمارات على سبيل المثال فستحول دون إعطاء تراخيص لإقامة مشافي ومراكز صحية إسرائيلية في الإمارات لتحويل العرب والمسلمين لفئران تجارب لإسرائيل!!! إن كان هناك قوى عاقلة في هذه البلدان عليهم ألا يمنحوا هذه الفرصة للولايات المتحدة فإيران اتضح للجميع بأنها دولة تتبنى الحوار سياسة ثابتة في أجنداتها وعليه فإن الحوار معها سوف يدفع المنطقة نحو الاستقرار والآمان دون الحاجة لنكون كبش فداء للولايات المتحدة أو أوربا.
ختاماً، لدينا جميعا أمل بأن يتبنى حكام دول الخليج هذه المرة نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي قال يوماً “لا يلدغ المسلم من حجر مرتين”.
تعليقات الزوار
لا تعليقات