تتجه الزيارة الرسمية المرتقبة للعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى فرنسا إلى التأجيل حتى بداية عام 2027، بعدما كانت مرتقبة خلال خريف 2026. وأفادت تقارير إخبارية أن أحد أبرز الأسباب يرتبط بالوقت الذي يحتاجه إعداد المعاهدة الجديدة التي يفترض أن تؤطر مرحلة متطورة في العلاقات بين الرباط وباريس.
وبحسب تقرير لموقع "أفريك إنتلجنس"، لا يتعلق الأمر باتفاق ثنائي محدود، وإنما بمشروع يراد له أن يشكل إطاراً سياسياً واستراتيجياً طويل الأمد للعلاقات المغربية الفرنسية. ولهذا جرى تشكيل لجنة مشتركة للعمل على نص المعاهدة، في مسار يعكس رغبة الطرفين في أن تكون زيارة العاهل المغربي إلى باريس مناسبة لتتويج هذا المسار باتفاق ذي طابع سياسي واستراتيجي واسع.
وكانت صحيفة لوموند قد كشفت في أبريل/نيسان الماضي عن وجود لجنة من 11 عضواً تعمل على صياغة مشروع المعاهدة، تحت إشراف وزير الخارجية الأسبق هوبير فيدرين من الجانب الفرنسي، فيما يشارك الجانب المغربي في الإعداد للنص. وكانت النسخة الأولى من المشروع متوقعة في مايو/أيار، بما يسمح باستكمال المشاورات قبل الزيارة الملكية.
وتأتي هذه التحضيرات في سياق إعادة بناء العلاقة بين باريس والرباط بعد أشهر طويلة من التوتر الدبلوماسي. فقد بدأ مسار التقارب منذ 2023، قبل أن يشهد تحولاً أكثر وضوحاً في يوليو/تموز 2024 عندما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعم بلاده لمغربية الصحراء، معتبرا أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب تشكل الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى حل سياسي للنزاع المفتعل، وشكل هذا الموقف نقطة تحول أساسية في العلاقات بين البلدين، وأعطى دفعة قوية لمسار التقارب الذي توج لاحقا بزيارة ماكرون إلى الرباط ولقائه بالملك محمد السادس في أكتوبر/تشرين الأول 2024، حيث طرح الجانبان الانتقال إلى "إطار استراتيجي جديد" للعلاقات.
ولا يقتصر التحضير للزيارة على تحديد موعد البروتوكول الملكي وجدول اللقاءات، بل يشمل تجهيز حزمة سياسية واتفاقية متكاملة يمكن أن تعكس طبيعة المرحلة الجديدة. ويبدو أن الملفات المطروحة تشمل التعاون السياسي والاستراتيجي، والأمن والدفاع، والاقتصاد والاستثمار، إلى جانب قضايا الطاقة والهجرة والتعاون في أفريقيا والبحر المتوسط.
كما أن توقيت الزيارة مرتبط بحسابات سياسية داخلية في البلدين. فقد كانت التقديرات السابقة تربط انعقادها بالخريف، بعد الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في سبتمبر/أيلول وافتتاح الدورة البرلمانية الجديدة في أكتوبر/تشرين الأول.
لكن التأخير في إنجاز المعاهدة، إلى جانب الاعتبارات السياسية الفرنسية، دفع باتجاه إعادة النظر في الموعد. وأشار موقع "أفريك إنتلجنس"، أيضاً إلى أن اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية يجعل حتى موعد يناير/كانون الثاني 2027 غير مضمون بصورة نهائية.
وتحمل الزيارة المرتقبة أهمية أكبر من مجرد زيارة دولة، لأنها من المتوقع أن تكون دفعة قوية للشراكة الاستثنائية أو الإطار الجديد للعلاقات. فباريس تنظر إلى المغرب باعتباره شريكاً مهماً في شمال أفريقيا وأفريقيا والبحر المتوسط، بينما نجحت الرباط خلال السنوات الأخيرة في إعادة صياغة علاقاتها الخارجية على أساس المصالح الاستراتيجية، مستفيدة من أهمية موقعها الجغرافي ودورها الاقتصادي والأمني.
وبالتالي، فإن تأجيل الزيارة لا علاقة له بوجود أزمة بل يعكس وفق المعطيات رغبة في عدم عقدها قبل اكتمال الإطار السياسي الذي يفترض أن تنتج عنه. فزيارة ملكية بهذا المستوى، بعد أشهر طويلة من الفتور ثم التقارب، تحتاج إلى نتائج ملموسة باعتبارها بأنها ستكون بداية مرحلة جديدة.
وينظر محللون إلى زيارة الملك محمد السادس على أنها محطة لتثبيت التحول الاستراتيجي في العلاقات الفرنسية المغربية، وليس مجرد مناسبة دبلوماسية مؤجلة من خريف 2026 إلى بداية 2027.
وتعود الدعوة إلى أكتوبر/تشرين الأول 2024، عندما وجه ماكرون دعوة رسمية إلى الملك محمد السادس خلال زيارة الدولة التي قام بها إلى المغرب، في لحظة كانت العلاقات الثنائية قد بدأت خلالها بالفعل مرحلة جديدة بعد سنوات من التوتر السياسي والدبلوماسي.
وكان وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة قد أكد استمرار الاتصالات بين الملك محمد السادس والرئيس إيمانويل ماكرون، مشيرا إلى عقد أكثر من 40 اجتماعا وزاريا بين البلدين منذ استئناف الدينامية الجديدة للعلاقات الثنائية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات