بدأ الوزير الأول النيجري علي محمد لمين زين اليوم الأربعاء زيارة عمل إلى الجزائر تستمر يومين، في خطوة تكشف عن مسعى جزائري لإعادة ترميم العلاقات مع دول الساحل الإفريقي، واستعادة جزء من النفوذ الذي تراجع خلال السنوات الماضية في منطقة لطالما اعتبرتها الجزائر امتدادا مباشراً لأمنها القومي ومجالا حيويا لمصالحها.
وتأتي الزيارة بعد أشهر طويلة من التوترات التي طبعت علاقة الجزائر بعدد من عواصم الساحل، في وقت شهدت فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية عميقة، أعادت رسم موازين النفوذ وأضعفت قدرة الجزائر على التأثير في محيطها الجنوبي التقليدي. ومن هذا المنظور، تبدو زيارة لمين زين محاولة لفتح صفحة جديدة مع نيامي، وإعادة بناء قنوات التعاون على أساس المصالح الاقتصادية والأمنية والتنموية المشتركة.
وقالت الحكومة الجزائرية إن "الزيارة تندرج في إطار الديناميكية التي تشهدها العلاقات بين البلدين، وتجسّد إرادة الرئيس عبدالمجيد تبون ونظيره النيجري عبدالرحمان تياني في إعطاء نفس جديد للعلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى شراكة أوسع، بما يدعم التنمية والاستقرار والتكامل الإقليمي".
لكن هذه الديناميكية تحمل أيضاً دلالات سياسية، في ظل إدراك الجزائر أن التغيرات التي عرفتها منطقة الساحل خلال الفترة الأخيرة لم تعد تسمح باستمرار المقاربة السابقة، خصوصاً مع تراجع حضورها في دول كانت تشكل تاريخياً مجالها الحيوي جنوب الصحراء.
وتوترت علاقات الجزائر خلال الفترة الماضية مع عدد من السلطات العسكرية في الساحل، على خلفية اختلافات سياسية وأمنية بشأن ملفات عدة، من بينها مقاربة الانقلابات العسكرية، ومستقبل التعاون الأمني، والحدود، وملف الحركات المسلحة.
وأدى ذلك إلى تراجع نسبي في قدرة السلطات الجزائرية على لعب دور الوسيط الإقليمي الذي سعت إلى تكريسه لسنوات، بينما برزت قوى إقليمية أخرى وهي تحاول ملء الفراغ وتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي والأمني في المنطقة.
وتفرض هذه التطورات على الجزائر إعادة ترتيب أوراقها، ليس فقط بسبب المنافسة على النفوذ، وإنما أيضاً بفعل التحولات الأمنية المتسارعة في منطقة الساحل، التي ترتبط بشكل مباشر بأمن حدودها الجنوبية، وبملفات الإرهاب والهجرة غير النظامية والتهريب والجريمة العابرة للحدود.
ومن هنا يمكن قراءة التحرك الجزائري تجاه النيجر باعتباره جزءاً من سياسة أكثر براغماتية، تحاول من خلالها الجزائر الانتقال من إدارة الخلافات إلى احتواء تداعياتها، واستعادة العلاقات عبر مشاريع ملموسة توفر حوافز اقتصادية وتنموية للحكومات الجديدة في المنطقة.
وتبرز النيجر في هذا السياق باعتبارها دولة ذات أهمية استراتيجية للجزائر، ليس فقط بحكم الحدود المشتركة، وإنما أيضاً بسبب موقعها في قلب منطقة الساحل، وتداخل ملفات الطاقة والأمن والنقل والتنمية بين البلدين.
ووفرت المشاريع الأخيرة أرضية عملية لهذا التقارب. ففي يونيو/حزيران الماضي، أشرف رئيسا وزراء البلدين على تدشين محطة توليد الكهرباء في غورو باندا بالعاصمة نيامي، بقدرة 40 ميغاواط، وهو مشروع أنجزته الجزائر كهبة للنيجر.
وفي 13 أغسطس/آب الجاري، عاد رئيسا الوزراء إلى الواجهة الاقتصادية من خلال إطلاق أشغال حفر البئر الاستكشافية "كفرا جنوب شرق 1"، على بعد نحو 85 كيلومتراً من الحدود الجزائرية، في مشروع يجمع شركة سوناطراك الجزائرية والشركة الوطنية النيجرية للبترول "سونيديب".
وتشير هذه المشاريع إلى أن الجزائر تحاول بناء نفوذها من بوابة الاقتصاد والطاقة والتنمية، بعدما أصبحت الأدوات السياسية التقليدية أقل فاعلية في بيئة إقليمية شديدة التغير.
ولا تبدو النيجر حالة منفردة في التحرك الجزائري، إذ تأتي زيارة لمين زين في سياق اتصالات جزائرية متزايدة مع عواصم الساحل، بما في ذلك مالي، التي أدى رئيس وزرائها زيارة إلى الجزائر مؤخراً.
وتكتسب الاتصالات مع باماكو أهمية خاصة، بالنظر إلى حساسية العلاقة بين البلدين والتوترات التي شهدتها في الأشهر الماضية ولذلك فإن عودة الاتصالات السياسية رفيعة المستوى تعكس محاولة جزائرية لاحتواء الخلافات ومنع تحولها إلى قطيعة استراتيجية مع دول تقع مباشرة في المجال الأمني للجزائر.
ولا يمكن فصل التحرك الجزائري في الساحل عن التحولات الأوسع في التنافس الإقليمي على النفوذ في إفريقيا، وفي مقدمتها الحضور المغربي المتزايد في القارة، فالمغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في توسيع حضوره الإفريقي من خلال الدبلوماسية الاقتصادية، والاستثمارات، ومشاريع البنية التحتية والطاقة والموانئ، إلى جانب المباردة الرامية إلى ربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي.
وفي مقابل هذا النسق المغربي المتصاعد، تبدو الجزائر أمام حاجة متزايدة إلى تقديم مقاربة أكثر فاعلية لحضورها في محيطها الإفريقي. ومن هذه الزاوية، تحمل المشاريع الجزائرية في النيجر، إلى جانب التحركات تجاه مالي ودول أخرى في الساحل، بعداً تنافسيا أيضا؛ إذ يسعى البلد الواقع في شمال إفريقيا إلى عدم ترك المجال مفتوحاً أمام خصومه الإقليميين لتوسيع نفوذهم في منطقة تمس بصورة مباشرة مصالحه الأمنية والإستراتيجية.
ولا يعني ذلك بالضرورة انتقال العلاقات الجزائرية مع دول الساحل إلى مرحلة تحالفات جديدة، بقدر ما يعكس إدراكاً جزائرياً بأن استمرار التوترات سيؤدي إلى مزيد من انحسار النفوذ، في حين أن إعادة بناء العلاقات على قاعدة المصالح قد تمنح الجزائر فرصة لاستعادة موقعها تدريجياً.
وتشير التحركات الأخيرة إلى أن الجزائر بدأت تتعامل مع واقع جديد في الساحل، تفرضه صعود السلطات العسكرية، وتراجع النفوذ التقليدي للقوى الإقليمية والدولية، وتصاعد المنافسة على الموارد والممرات التجارية ومشاريع الطاقة.
وبالتالي، فإن زيارة رئيس الوزراء النيجري ليست مجرد محطة دبلوماسية، وإنما جزء من محاولة أوسع لإعادة تموضع الجزائر في منطقة تشكل حديقة خلفية لأمنها القومي.
وكلما تعمقت الأزمات الأمنية والاقتصادية في الساحل، ازدادت حاجة الجزائر إلى شراكات مستقرة مع جيرانها الجنوبيين. ولذلك فإن إعادة تنشيط العلاقات مع النيجر ومالي قد تمثل بداية لمسار جزائري يستهدف ترميم الشروخ، واستعادة الثقة، وتحويل الحدود الجنوبية من مصدر محتمل للاضطراب إلى مجال للتعاون الاقتصادي والأمني.
وفي المحصلة، تبدو الجزائر أمام معادلة واضحة: إما التكيف مع التحولات الجديدة في الساحل واستعادة حضورها عبر الاقتصاد والطاقة والدبلوماسية المرنة، أو المخاطرة بمزيد من فقدان النفوذ في منطقة ترتبط مباشرة بأمنها القومي، في وقت يتحرك فيه المغرب بوتيرة متسارعة لتوسيع حضوره الإفريقي.

تعليقات الزوار
لا تعليقات