يواصل الموريتانيون انشغالهم بمضامين المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، والذي شكل محطة سياسية وإعلامية بارزة، إذ كسر سنوات من الظهور الإعلامي المحدود وفتح ملفات الحكم الأساسية؛ من الولاية الثالثة والفساد والاقتصاد والغاز، إلى الأمن في الساحل والهجرة والإرث الإنساني.
وقد قدم الرئيس دفاعاً مطولاً عن حصيلة حكمه، مستنداً إلى الأرقام والمؤشرات الرسمية، فيما رأت المعارضة أن المؤتمر لم ينجح في الإجابة عن أبرز انشغالات المواطنين المتعلقة بغلاء المعيشة والخدمات.
ومن بين أكثر العبارات التي استوقفت المتابعين قوله إنه يريد أن يغادر السلطة «مطمئناً إلى أنه أدى واجبه بأمانة وإخلاص»، وهي رسالة فُهمت على أنها تركيز على الإرث السياسي أكثر من الانشغال بالجدل الدائر حول الولاية الثالثة.
حظي ملف الولاية الثالثة باهتمام خاص، إذ أكد الغزواني أن تعديل الدستور ليس ضمن أولويات المرحلة، وأن التركيز ينبغي أن ينصب على تنفيذ البرامج التنموية.
وأضاف أن أي أمر «ليس في الدستور ولا يريده الشعب» لن يقدم عليه، معرباً عن أمله في أن يواصل الرئيس الذي سيختاره الموريتانيون عام 2029 مسيرة البناء.
ورغم أن هذا الموقف اعتُبر مؤشراً على احترام الدستور والتداول السلمي للسلطة، فإن منتقدين رأوا أنه لم يتضمن تعهداً شخصياً وصريحاً بعدم الترشح مستقبلاً، ما أبقى باب التأويل مفتوحاً.
دافع الرئيس عن سجل حكومته في مكافحة الفساد، نافياً أن تكون الظاهرة قد اتسعت خلال فترة حكمه، واستند إلى ارتفاع الإيرادات العامة، وزيادة المشاريع الممولة من الميزانية الوطنية، وإحالة أكثر من مائة شخص إلى القضاء خلال عام 2025، إضافة إلى إبعاد مسؤولين بسبب شبهات تتعلق بالتسيير.
وأكد أن مكافحة الفساد مسؤولية مؤسسات الرقابة والقضاء، وليست مسؤولية رئيس الجمهورية وحده.
غير أن هذا الطرح لم يقنع منتقديه، الذين اعتبروا أن نجاح مكافحة الفساد لا يقاس بعدد الإحالات القضائية أو بتحسن الإيرادات فحسب، وإنما بسرعة البت في الملفات، واستعادة الأموال، وتعزيز الشفافية، وضمان وصول المساءلة إلى مختلف مستويات المسؤولية.
قدم الغزواني صورة إيجابية عن الاقتصاد، مشيراً إلى تراجع نسبة الدين العمومي، وانخفاض عجز الميزانية، وتحسن عدد من مؤشرات الاقتصاد الكلي رغم تداعيات جائحة كورونا والأزمات الدولية، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن ما تحقق لا يزال دون مستوى الطموحات، داعياً إلى تسريع تنفيذ البرامج الحكومية.
وفي ملف الغاز، سعى إلى تبريد سقف التوقعات الشعبية، موضحاً أن بدء الإنتاج لا يعني تحقيق عائدات فورية أو انخفاضاً سريعاً في أسعار الطاقة، لأن استغلال الموارد يحتاج إلى سنوات من الاستثمار واسترداد التكاليف.
كما أعلن استعادة موريتانيا السيطرة على حقل «بير الله» بعد انتهاء مهلة الشركة السابقة لتطويره، مؤكداً أن البحث جار عن شريك جديد، ومعتبراً أن الحقل يمتلك إمكانات واعدة قد تفوق مشروع السلحفاة الكبرى آحميم.
وفي ما يتعلق بقانون حماية الرموز وهو قانون مثير للجدل، أبدى الرئيس استعداداً لمراجعة التسمية، معتبراً أن الهدف من القانون هو حماية مؤسسات الدولة والوحدة الوطنية، وليس حماية الأشخاص أو الحد من حرية التعبير.
وشدد على أن النقد حق مشروع، لكنه يجب ألا يتحول إلى تشهير أو تحريض يهدد الاستقرار.
أما بشأن الإرث الإنساني وهو ملف بالغ الحساسية لتعلقه بالجيش، فقد أكد أن الملف قطع مراحل متقدمة، وأن ما تبقى منه لا يمثل عقبات كبيرة، مشدداً على أن تجاوز الماضي يجب أن يتم في إطار العدالة والإنصاف، مع الاستعداد للنظر في مختلف التظلمات. وفي الشأن الإقليمي، عرض الرئيس الغزواني رؤيته للأمن في الساحل، مؤكداً أن أمن موريتانيا يرتبط مباشرة باستقرار مالي ودول الجوار، وأن التهديدات العابرة للحدود تتطلب تعاوناً إقليمياً.
وفي ملف الهجرة، ميز بين المهاجرين النظاميين وشبكات تهريب البشر، مؤكداً أن موريتانيا ستواصل استقبال المقيمين بصورة قانونية، مع تشديد الإجراءات ضد الشبكات الإجرامية.
كما وصف ولايته الحالية بأنها «مأمورية للشباب»، مستعرضاً إجراءات قال إنها شملت توسيع فرص التوظيف، ودعم التكوين المهني، وتمويل المؤسسات الصغيرة، في حين يرى مراقبون أن التحدي الحقيقي يبقى في خلق وظائف مستدامة داخل القطاع الخاص والحد من البطالة والهجرة.
أثار المؤتمر الصحافي ردود فعل متناقضة بين الموالاة والمعارضة، فقد اعتبر رئيس حزب «جمع» محمد جميل منصور المنتظم في صف الموالاة، أن المؤتمر كان ناجحاً، مشيداً بجرأة الأسئلة ووضوح الإجابات، وبقدرة الرئيس على تناول ملفات حساسة مثل الدستور والفساد والحريات، معتبراً أن هذه التجربة ينبغي أن تتحول إلى تقليد دوري يعزز التواصل بين الرئاسة والإعلام.
في المقابل، رأى النائب المعارض يحيى اللود أن المؤتمر، رغم امتداده لأكثر من ثلاث ساعات، لم يقدم حلولاً عملية لأهم مشكلة تواجه المواطنين، وهي غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار.
وقال إن الرئيس ركز على استعراض الإنجازات والمؤشرات الاقتصادية، دون الإعلان عن إجراءات مباشرة لتحسين القدرة الشرائية.
كما شكك اللود في دلالة بعض المؤشرات الاقتصادية، معتبراً أن انخفاض نسبة الدين لا يعني بالضرورة تراجع حجم المديونية، بل قد يكون نتيجة نمو الناتج المحلي الإجمالي، كما انتقد ما اعتبره غياباً لحسم واضح في ملف الولاية الثالثة، وعدم تقديم جديد في ملف مكافحة الفساد، مؤكداً أن مسؤولية كشف الفساد تقع على أجهزة الرقابة والقضاء، لا على المواطنين أو وسائل الإعلام.
ومن جهته، قدم العقيد المتقاعد لبات معيوف/ تقييماً أكثر تشدداً، معتبراً أن المؤتمر كشف، بحسب رأيه، استمرار الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، في ظل استمرار الفقر وضعف الخدمات وتحديات الحوكمة.
ورغم هذا التباين، اتفق كثير من المراقبين على أن المؤتمر نجح في تغيير الصورة التقليدية للرئيس باعتباره قليل الظهور في الإعلام، إذ ظهر متمكناً من الملفات وقادراً على الدفاع عن سياساته والإجابة لساعات عن أسئلة الصحافيين.
إلا أن هذا النجاح الاتصالي، بحسب متابعين، سيظل بحاجة إلى ترجمة عملية على أرض الواقع، عبر تحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الشفافية، وإتاحة مزيد من المعلومات للرأي العام، وتحويل اللقاءات الصحافية إلى ممارسة مؤسسية منتظمة.
وفي المجمل، فقد عكس المؤتمر استمرار التباين بين الرواية الرسمية التي تؤكد تحسن المؤشرات الاقتصادية واستقرار المؤسسات، ورؤية المعارضة التي تعتبر أن تلك المؤشرات لم تنعكس بعد على الحياة اليومية للمواطنين.
وبين الروايتين يبقى التحدي الأكبر أمام الرئيس هو مدى قدرة السنوات المتبقية من ولايته الثانية على تحويل الأرقام والوعود إلى نتائج ملموسة في مجالات المعيشة والخدمات وفرص العمل.
الموريتانيون منشغلون بأول مواجهة بين الغزواني والصحافة

تعليقات الزوار
لا تعليقات