أخبار عاجلة

إحالة الجنرال ولد المعيوف للقضاء بتهم إضعاف معنويات الجيش والمساس بهيبة الدولة

دخلت قضية اللواء المتقاعد لبات ولد المعيوف المعارض للنظام الموريتاني، منعطفاً قضائياً وسياسياً جديداً، بعد أن قررت النيابة العامة إحالته إلى قاضي التحقيق مع طلب إيداعه السجن، قبل أن يستجيب القضاء للطلب ويأمر بإيداعه السجن على ذمة التحقيق، في خطوة سرعان ما انعكست على مسار الحوار السياسي المرتقب في البلاد.
ويواجه ولد المعيوف، وهو قيادي في حزب «موريتانيا إلى الأمام»، اتهامات تتعلق بإضعاف الروح المعنوية لأفراد القوات المسلحة، وإفشاء معلومات عسكرية، والمساس بهيبة الدولة، إضافة إلى تهمة التحريض.
وبالتزامن مع إيداعه السجن، أعلن حزب «موريتانيا إلى الأمام» وهو حزب معارض حديث النشأة تمكن من حيازة موقع متقدم في المشهد، عن مقاطعته الحوار السياسي إلى أجل غير مسمى، كما قرر سحب رئيسه نور الدين ولد محمدو من رئاسة قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطي، الذي يشارك في المسار الحواري.
وتعيد هذه التطورات قضية ولد المعيوف إلى واجهة المشهد السياسي الموريتاني، في وقت كانت فيه الأطراف السياسية تستعد للدخول في حوار طال انتظاره، وسط رهانات على أن يشكل مساحة لمعالجة الملفات السياسية والخلافات المتراكمة بين السلطة والمعارضة.
لم يكن مسار الحوار السياسي الموريتاني قد تجاوز بعد مرحلة ترتيب الطاولة وتحديد قواعد المشاركة، حتى وجد نفسه أمام أول اختبار سياسي وقضائي ثقيل، بعد إحالة الجنرال المتقاعد لبات ولد المعيوف إلى السجن، وقرار حزبه «موريتانيا إلى الأمام» مقاطعة الحوار إلى أجل غير مسمى، فيما دعت شخصيات معارضة إلى الانسحاب الجماعي من المسار برمته.
وأحال قطب التحقيق في ولاية نواكشوط الغربية، الأربعاء، ولد المعيوف إلى السجن، استجابة لطلب النيابة العامة التي وجهت إليه عدة تهم، من بينها «إضعاف الروح المعنوية لأفراد القوات المسلحة» و»إفشاء معلومات عسكرية» و»المساس بهيبة الدولة».
وجاء القرار بعد مثول الجنرال المتقاعد أمام النيابة العامة، عقب أكثر من أسبوعين قضاهما رهن التوقيف لدى كتيبة الدرك المختصة في الجرائم السيبرانية، في قضية أثارت منذ بدايتها اهتماماً سياسياً وحقوقياً واسعاً، بالنظر إلى خلفية الرجل العسكرية وموقعه في المشهد المعارض.
ويعد ولد المعيوف عضواً في المكتب التنفيذي لحزب «موريتانيا إلى الأمام»، مكلفا بالقضايا العسكرية والأمنية، وحزبه هذا هو أحد الأحزاب المعارضة التي كانت منخرطة في الترتيبات المتعلقة بالحوار السياسي الذي تسعى السلطات إلى إطلاقه، وسط آمال رسمية بأن يشكل المسار مناسبة لتخفيف التوتر السياسي وفتح نقاش حول عدد من القضايا الوطنية.
لكن قرار السجن نقل القضية من نطاقها القضائي إلى قلب التجاذب السياسي، بعدما أعلن المكتب التنفيذي للحزب مقاطعة الحوار «إلى أجل غير مسمى»، معتبراً أن استمرار احتجاز أحد قيادييه وإحالته إلى السجن يمثل تصعيداً لا يمكن فصله عن المناخ السياسي العام.
وطالب الحزب رئيسه، الدكتور نور الدين ولد محمدو، بالاستقالة الفورية من رئاسة قطب ائتلاف المعارضة الديمقراطية، وهو أحد قطبي المعارضة المشاركة في الحوار، في خطوة من شأنها أن تعيد ترتيب تمثيل المعارضة داخل المسار المرتقب وتزيد الضغوط على القوى السياسية التي اختارت المشاركة فيه. كما طالب السلطات بالإفراج الفوري وغير المشروط عن ولد المعيوف، معلناً مواصلة «كافة أشكال النضال السلمي والمشروع» حتى إطلاق سراحه.
ووصف الحزب إحالة عضو مكتبه التنفيذي إلى السجن، بعد أكثر من أسبوعين من التوقيف، بأنها «قرار تصعيدي خطير»، معتبراً أنها تأتي في سياق ما وصفه بسياسة التضييق على الحريات واستهداف المعارضين السياسيين.
وأكد المكتب التنفيذي أن قضية ولد المعيوف أصبحت، من وجهة نظره، «قضية حرية وكرامة وحق في التعبير والموقف السياسي»، رافضاً أي محاولة لاستخدام الاعتقال أو الضغط لإجباره على التراجع أو الاعتذار.
ولم يصدر حتى الآن أي توضيح حول هذا الملف لا من النيابة العامة ولا من الحكومة التي توجد حاليا في عطلة.
وأعلن الحزب تنظيم مؤتمر صحافي الخميس في مقره المركزي لشرح موقفه وتفاصيل خطواته السياسية والنضالية المقبلة، في مؤشر على أن تداعيات القضية مرشحة للتوسع خلال الأيام القادمة. ولم يتوقف التصعيد عند حزب «موريتانيا إلى الأمام»، إذ دعا النائب البرلماني المعارض بيرام ولد الداه ولد اعبيد القوى المعارضة المشاركة في الحوار إلى الانسحاب منه، معتبراً أن شروط الحوار السياسي الحقيقي غير متوفرة في ظل ما وصفه بقمع الحريات وملاحقة المعارضين.
وأدان ولد اعبيد، في بيان له، إحالة ولد المعيوف إلى السجن، معتبراً أن التهم الموجهة إليه مرتبطة بمواقفه وآرائه السياسية، وطالب المعارضة بتوحيد مواقفها وفتح مشاورات مشتركة لمواجهة ما وصفه بمساعي النظام إلى تهيئة الظروف لخرق النظام الدستوري وفرض مأمورية رئاسية ثالثة.
ويضع هذا الموقف مسار الحوار أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فالمعارضة التي قبلت الدخول في المشاورات كانت تراهن على إمكانية تحويلها إلى مساحة لمعالجة الخلافات السياسية والمؤسسية والحريات العامة، بينما يرى جناح آخر داخل المعارضة أن استمرار توقيف شخصيات معارضة في ظل التحضير للحوار يفرغ العملية من مضمونها ويجعلها أقرب إلى ترتيبات سياسية محدودة منها إلى حوار وطني شامل.
وتكتسب قضية ولد المعيوف حساسية إضافية من خلفيته العسكرية، إذ سبق أن شغل مواقع في المؤسسة العسكرية قبل تقاعده، قبل أن ينخرط في النشاط السياسي المعارض.
ولذلك فإن التهم المتعلقة بإضعاف الروح المعنوية للقوات المسلحة وإفشاء معلومات عسكرية تحمل أبعاداً تتجاوز الاتهامات المعتادة المرتبطة بالتعبير السياسي.
وفي المقابل، سيكون على السلطة أن تثبت أن المسار القضائي منفصل عن التجاذب السياسي، وأن الإجراءات المتخذة بحق الجنرال المتقاعد تستند إلى وقائع قانونية محددة وليست مرتبطة بمواقفه السياسية، خصوصاً أن الحوار المقبل يحتاج، لكي يحظى بالثقة، إلى حد أدنى من الاطمئنان لدى الأطراف المشاركة بشأن مساحة الحريات وإمكانية التعبير عن المواقف المختلفة.
ومع انتقال الخلاف حول ولد المعيوف من قضية فردية إلى قرار حزبي بمقاطعة الحوار، ثم إلى دعوات أوسع للانسحاب منه، يبدو أن الأزمة قد تتحول إلى أول اختبار فعلي لقدرة السلطة والمعارضة على إدارة خلافاتهما قبل الجلوس إلى طاولة واحدة.
فالحوار الذي كان يفترض أن يفتح باباً لتخفيف الاستقطاب السياسي بات مهدداً بأن يبدأ وسط أزمة جديدة حول الحريات والاعتقالات وحدود المعارضة، في وقت تتزايد فيه المخاوف داخل أوساط المعارضة من أن ينتهي المسار إلى خلافات حول قواعد اللعبة السياسية والدستورية بدلاً من معالجة أسبابها.
وبذلك، فإن سجن لبات ولد المعيوف لا يختبر فقط علاقة السلطة بمعارض عسكري سابق، وإنما يختبر أيضاً قدرة الحوار الموريتاني المرتقب على الصمود أمام أول أزمة سياسية حقيقية، ومدى استعداد طرفيه لتحويله من مجرد مناسبة للتشاور إلى مسار قادر على استيعاب الخلاف السياسي، بما في ذلك أكثر مواقف المعارضة حدة.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات