من جديد ابتدعت دولة الاحتلال حجة أخرى لتصعيد هجماتها الدامية ضد قطاع غزة، كانت هذه المرة تتمثل في ألعاب أطفال النازحين، الذي دمرت الحرب كل أحلامهم وفي مقدمتها التعليم، فلجأت إلى التهديد والوعيد بشن غارات أكثر دموية، وترحيل سكان مناطق النزوح من جديد، في حال استمرت أطفال غزة في اللهو بـ «الطائرات الورقية» ذات الصنع المحلي، بعدما أطلقت تهديدات خطيرة جاءت على لسان رئيس الوزراء ووزير جيشه.
هجمات دامية
في الأسبوع الماضي، وفي خضم استمرار الاتصالات التي يقوم بها الوسطاء، من أجل الدفع بتقدم ملف التهدئة، وضمن المحاولات الرامية للانتقال إلى المرحلة الثانية، لوحظ تصعيد جيش الاحتلال من هجماته الدامية على قطاع غزة، فنفذ من جديد عمليات اغتيال جديدة، وقصف مناطق النزوح ودمر الخيام وقتل عددا من سكانها النازحين، ومن بينهم أطفال.
وزاد من حجم القصف والقتل، حين وسع من عمليات الإنذار المسبق، فأنذر مراكز خدماتية تقدم خدمات إنسانية للنازحين، وهو أمر أشارت إليه الأمم المتحدة، فقصف محطة تحلية مياه الشرب ومخازن تستخدم لتخزين المساعدات وكذلك منازل عدة، من دون أن يمهل سكانها وقتا لأخذ احتياجاتهم الأساسية، بعد قصفها بالصواريخ الحربية بعد وقت قصير من الإنذار، وهو ما أوقع ضحايا في صفوف المقيمين في مناطق قريبة منها.
ولم يكتف جيش الاحتلال بهذا القدر من القصف والاستهداف، حيث لم يمر يوم إلا وأوقع فيه ضحايا، وأكثرهم كان الاثنين الماضي، حين أسفرت سلسلة الغارات عن ارتقاء تسعة شهداء بينهم أطفال وعدد آخر من المصابين، فكرر عمليات الاستهداف الواسع للمناطق الواقعة خلف «الخط الأصفر» بالقصف والتدمير والنسف، كما وسع من هجماته ووجه رصاصاته تجاه مناطق النزوح القريبة، التي يريد رغم شمولها بالمناطق الصفراء التي تمتد على مساحة تقدر بنجو 70 في المئة من مساحة قطاع غزة، أن يجبر سكان المناطق القريبة منها على النزوح القسري من جديد، رغم علمه بعدم وجود مناطق أخرى ملائمة للسكان في ظل التكدس الكبير لسكان القطاع داخل 30 في المئة من مساحة القطاع الاجمالية.
هذه الهجمات كانت تنفذ بقوة النيران، ترافقت مع استمرار تشديد إجراءات تنغيص الحياة على سكان غزة، من خلال الحصار المحكم الذي تفرضه إسرائيل، من دون أن تستمع لدعوات الوسطاء الذين طالبوها بالالتزام بنصوص البروتوكول الإنساني الذي جرى التوصل إليه ضمن اتفاق وقف إطلاق النار.
ألعاب أطفال تهدد بالتصعيد
لكن ما كان لافتا للانتباه الأسبوع الماضي، هو لجوء أركان دولة الاحتلال إلى تهديد سكان غزة، بسبب ألعاب الأطفال «الطائرات الورقية» وتوعدهم بتصعيد الحرب والقتل والاغتيالات وإجبار سكان على إخلاء مناطق سكنهم واحتلالها من جديد، في حال استمر استخدام هذه الألعاب في مناطق النزوح، بعد مزاعم عن سقوط بعضها في مناطق قريبة من القطاع ضمن ما يعرف بـ «مستوطنات الغلاف»، رغم أن أيا من هذه الطائرات الورقة أو البالونات التي سقطت، لم يثبت أنها كانت تحمل مواد حارقة، لتحرق الحقول أو المزارع التي تستهدفها، وإنما كانت عبارة عن ألعاب فقط.
ويلجأ إلى هذه الألعاب بالعادة الأطفال الذين فقدوا كل وسائل الترفيه الأخرى بسبب الحرب، فلم يعد هناك تيار كهربائي ليمضوا وقتا في مشاهدة التلفزيون أو لعب الألعاب الإلكترونية، ولم يعد لديهم أيضا مكانا للتعليم المباشر بعد أن دمرت منازلهم أو حولت إلى مراكز نزوح، وباتت هذه الألعاب من الخيارات القليلة المتاحة أمامهم لإمضاء فترة اللعب في يومهم المليء بالتعب والكد والعمل في مساعدة أسرهم، في ملء غالونات المياه أو طهي الطعام على مواقد النار.
واستغلت دولة الاحتلال هذه الألعاب، لتجد منها وسيلة ليس فقط للتهرب من الدعوات التي تطلب منها الالتزام ببنود اتفاق وقف إطلاق النار وتطويره، بل من أجل تصعيد حجم الغارات وعمليات القتل.
وبشكل مباشر هدد كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الجيش يسرائيل كاتس، بأن إسرائيل ستصعّد إجراءاتها ضد قطاع غزة، في حال استمرار إطلاق الطائرات الورقية باتجاه إسرائيل، وذلك خلال جلسة لتقييم الوضع عقدها نتنياهو وكاتس، بمشاركة رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير ورئيس مجلس الأمن القومي وعدد من كبار قادة الجيش، وقد أصدر وزير الجيش يسرائيل كاتس، تعليمات باعتماد سياسة «عدم التسامح» مع الطائرات الورقية، وهدد باللجوء إلى الاغتيالات وإخلاء أحياء سكنية في غزة، ردا على إطلاق هذه الطائرات.
وأعلن أنه وجه جيشه بـ«التحرك بقوة» ضد إطلاق البالونات والطائرات الورقية والمسيّرات من غزة باتجاه المستوطنات المحاذية للقطاع، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع ذلك، وأن ذلك يشمل استهداف قادة «حماس» المسؤولين عن عمليات الإطلاق ومنفذيها، وإخلاء الأحياء والمناطق التي تُنفذ منها عمليات الإطلاق، والعمل ضد البنية التحتية في تلك الأماكن، معتبرا أن كل عملية إطلاق هي «عمل حربي بكل معنى الكلمة».
وبعد أن حدد مهلة ثلاثة أيام لتوقف هذه الطائرات الورقة، عاد نتنياهو بعد أن عقد اجتماعا أمنيا، ونفى ضمن سياسة تشديد الحصار، اعتزام إسرائيل فتح معبر بيت حانون «إيرز» أمام البضائع المتجهة إلى قطاع غزة، وأصدر بيانا مشتركا مع وزير الجيش كاتس جاء فيه «سياسة إسرائيل في غزة واضحة ولم تتغير، لن تكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح حركة حماس ونزع سلاح قطاع غزة بالكامل».
كذلك جدد كاتس، تهديده بإخلاء فلسطينيي غزة من أي منطقة أو حي في القطاع تُطلق منه طائرات ورقية أو بالونات، بعد التهديد السابق، وذلك خلال اجتماع لتقييم الأوضاع عقده مع رئيس الأركان إيال زامير، وقائد الدفاع الجوي ومسؤولين كبار آخرين في المؤسسة العسكرية.
تحذير فلسطين
ولذلك حذرت حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، من خطورة المزاعم والتهديدات التي يطلقها الاحتلال بشأن ما يسميه «إطلاق الطائرات الورقية»، التي قالت إنها في الأساس «ألعاب أطفال في مخيمات النزوح».
وأكد الناطق باسم الحركة حازم قاسم، أن هذه التهديدات القائمة على اختلاق الذرائع، «هي محاولة لتبرير استمرار العدوان والانتهاكات ضد شعبنا، وصولا إلى تهديد الأطفال في قطاع غزة»، ودعا الإدارة الأمريكية والدول الوسيطة والضامنة ومجلس السلام، إلى الضغط على الاحتلال لـ «وقف هذا الانفلات في عدوانه على شعبنا، ومحاولاته تقويض مسار وقف إطلاق النار، الذي يلتزم به الجانب الفلسطيني بشكل كامل».
وقال إن اللجان الشعبية في مخيمات النزوح ومراكز الإيواء تعمل على محاولة منع الأطفال من استعمال الطائرات الورقية في اللعب خوفاً من استهداف الاحتلال لهم.
كما حذر تحالف منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، من التهديدات الإسرائيلية، باعتبار إطلاق البالونات والطائرات الورقية والمسيّرات «عملاً حربيا»، وأنذر من استخدام هذه التهديدات كغطاءً لاستهداف المدنيين وفرض التهجير القسري والعقاب الجماعي، وطالب الأمم المتحدة والوسطاء والمجتمع الدولي بالتدخل العاجل لمنع التصعيد وضمان حماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني.
أما المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فقد أدن استمرار قوات الاحتلال الإسرائيلي في استهداف المدنيين والأعيان المدنية في قطاع غزة، ما أسفر عنه خلال الأيام الأربعة الماضية عن مقتل وإصابة العديد من المواطنين، بينهم أطفال، في سلسلة من الهجمات التي طالت تجمعات للمدنيين وخيام النازحين ومنازل وممتلكات مدنية.
وأكد المركز الحقوقي أن استمرار هذه الهجمات، إلى جانب التهديدات الإسرائيلية بتوسيع نطاق القصف وإصدار أوامر إخلاء جديدة، يعرض حياة المدنيين لخطر متزايد ويعمق الواقع الكارثي الناجم عن استمرار أفعال الإبادة الجماعية في القطاع منذ نحو ثلاث سنوات، معربا عن بالغ قلقه إزاء ما أعلنته حكومة الاحتلال الإسرائيلي، من تهديد بتصعيد الضربات العسكرية ضد مناطق في قطاع غزة، وربط ذلك بإطلاق الطائرات الورقية التي يلهو بها الأطفال، من القطاع. وحذر المركز بصورة خاصة من إعلان إسرائيل نيتها مطالبة السكان بالإخلاء من المناطق التي تقول إن عمليات الإطلاق تتم منها، ما يعني أن هذه التهديدات مقدمة لتوسيع نطاق الهجمات على مناطق مأهولة بالسكان، والتهجير القسري، في ظل تكدس أكثر من مليوني فلسطيني في ظروف إنسانية قاسية ضمن نطاق لا يزيد عن 30 في المئة فقط من مساحة القطاع.
مخاوف فلسطينية
وخوفا من استهداف أطفال غزة خلال اللهو بهذه الألعاب، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي حملة مضادة لهذه التهديدات، استخدم فيها المشاركون تدوينات تندد بالتهديدات وتحذر من المخاطر القادمة، باعتبارها ألعاب أطفال وجدت من أجل اللهو في ظل الواقع المرير الذي يعيشه أطفال غزة، كما لجأ آخرون لاستخدام فيديوهات وصور مولدة بالذكاء الاصطناعي، تظهر طائرات إسرائيلية وهي تقصف أطفالا من غزة، وهم يلهون بهذه الطائرات الورقية في مناطق النزوح.
ولم يكن الأمر يرضي حتى الإدارة الأمريكية التي اعتادت على تقديم الدعم لإسرائيل، وفي هذا السياق، ذكرت قناة i24news» « الإسرائيلية، أنه على خلفية التقدم نحو تنفيذ خطة خريطة الطريق لغزة وبعد موافقة «حماس» على نزع سلاحها، يبدي المسؤولون في الولايات المتحدة قلقاً من التطور الأخير، بإطلاق الطائرات الورقية باتجاه غلاف غزة.
ونقلت عن مصدر مطلع على التفاصيل، بأن هذه القضية تؤخذ على محمل جد كبير لأنها قد تضر بشكل كبير بتقدم العملية، التي استثمر فيها الأمريكيون وأطراف أخرى كمية هائلة من الموارد، بما في ذلك إقناع إسرائيل بأن هناك بالفعل اتفاقا أبرم مع «حماس» لتجريدها من سلاحها، وذكرت القناة أن «مجلس السلام» يوجه أصابع الاتهام تحديدًا نحو إسرائيل بخصوص إفشال تنفيذ الاتفاق، ونقل عن مصدر في المجلس القول «إسرائيل لا تلتزم باتفاق النقاط العشرين، وعمليًا لا تسمح بدفع حماس إلى زاوية نزع السلاح طوعًا أو إلى عملية إسرائيلية بدعم دولي.»
تردي الأوضاع الإنسانية
جاءت مجمل هذه التطورات، والتهديد باللجوء لتصعيد الحرب والقتل في قطاع غزة، فيما كانت الأوضاع الإنسانية تشهد انهيارا خطيرا، جراء الحصار المشدد المفروض على السكان، وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إن المدنيين، بمن فيهم الأطفال، لا يزالون يتعرضون للقتل والإصابات، وأشار إلى تقارير عن مقتل عدد من الأشخاص منهم طفل في غارات جوية على غزة خلال اليومين الماضيين.
وأصدرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» نتائج دراسة استطلاعية جديدة سلطت الضوء على أثر الصراع الدائر على الأطفال والأمهات وما تواجهه الأسر من سوء تغذية مزمن وأنظمة غذائية فقيرة وأمراض الأطفال. وأظهرت الدراسة أن سوء التغذية الحاد بين الأطفال في المناطق التي يمكن الوصول إليها، منخفض بشكل نسبي، إلا أن الصورة بعيدة الأمد تثير القلق بشكل بالغ، وذكرت أن سوء التغذية المزمن، أو التقزم، الذي يعد مؤشرا على ضعف النمو الطولي ويعكس تراكم الظروف الغذائية والصحية بمرور الوقت، يؤثر على 12.2 في المئة من الأطفال الفلسطينيين دون سن الخامسة، بينما تؤثر زيادة الوزن على 4 في المئة منهم.
وأوضحت أن اجتماع التقزم والهزال وزيادة الوزن، يشير إلى سوء جودة النظام الغذائي، وليس مجرد نقص الغذاء، ووفق الدراسة تناول نحو 73 في المئة من الأطفال في غزة الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهرا أغذية غير صحية، بينما لم يحصل سوى 22.4 في المئة منهم على الحد الأدنى من النظام الغذائي المقبول.
ولذلك جددت الأمم المتحدة المطالبة بوصول المساعدات الإنسانية بشكل مستدام وبدون عوائق إلى قطاع غزة، بما في ذلك الوقود، واستمرار تمويل خدمات التغذية والصحة والمياه والصرف الصحي، وفتح الأسواق التجارية، حتى يتمكن الأطفال والأسر من الحصول على الغذاء والخدمات الأساسية التي يحتاجونها لمنع مزيد من التدهور.
أما على المستوى الطبي، فقد حذرت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة، من استمرار التدهور المتواصل لمنظومة القطاع الصحي واستمرار النقص الحاد في المستلزمات والمستهلكات الطبية الأساسية في القطاع، وفي مقدمتها الشاش الطبي، في ظل صعوبة إدخال الاحتياجات الطبية إلى القطاع، بسبب إجراءات الحصار الإسرائيلي.
وأكدت أن ذلك الأمر يهدد قدرة المستشفيات والمرافق الصحية على تقديم خدمات صحية منتظمة، ويعرض المرضى والجرحى لمخاطر مباشرة على حياتهم. ويقوض الحق في العلاج. وأوضحت أنه استنادا لمعلومات طبية، أن هناك أكثر من 58 في المئة من هذه الأصناف تبلغ نسبة توفرها 0 في المئة، فيما يطال النقص نحو 21 في المئة من المستهلكات المستخدمة في خدمات الطوارئ، وأكثر من 33 في المئة من المستهلكات الخاصة بالجراحة والعناية المركزة، وأن نحو 69 في المئة من المستلزمات الخاصة بخدمات الكلى غير متوفرة، كذلك 61 في المئة من المستلزمات الخاصة بمرضى الأورام غير متوافرة، بما يعكس اتساع الأزمة وتأثيرها على الخدمات الصحية الأساسية.
وأوضح أن الشاش الطبي يمثل أحد الأصناف الأساسية المستخدمة في العمليات الجراحية والطوارئ وعلاج الجروح وعيادات غيار الجروح، وحذرت بان المتوفر منه لا يكفي إلا لفترة تتراوح تقريباً بين أسبوع وثلاثة أسابيع فقط، وهي كمية لا تتناسب مع الاحتياجات الفعلية للقطاع الصحي.
وفي السياق، حذرت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، من التداعيات الخطيرة والمباشرة لاستمرار القيود المفروضة على إدخال الزيوت المعدنية وزيوت المحركات والفلاتر وقطع الغيار اللازمة لصيانة المولدات والمركبات والمعدات التشغيلية إلى قطاع غزة، في ظل الاعتماد الكامل على المولدات لتوفير الطاقة اللازمة لتشغيل المرافق الحيوية والخدمات الإنسانية.
وأكدت أن استمرار منع أو تقييد إدخال هذه المواد يشكل تهديدًا مباشرًا لاستمرارية الحياة والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها ملايين الفلسطينيين في قطاع غزة، ولا سيما خدمات الرعاية الصحية، وضخ وتوفير مياه الشرب، والصرف الصحي، والإسعاف، والمخابز، وإدارة النفايات، والنقل والخدمات الإنسانية والإغاثية.

تعليقات الزوار
لا تعليقات