لم تعد أزمة الكهرباء التي هزّت العاصمة الموريتانية نواكشوط خلال الأيام الماضية مجرد انقطاع عابر انتهى بإصلاح الأعطاب وعودة التيار إلى المناطق المتضررة؛ فمع انحسار الجانب الخدمي للأزمة، بدأ جانب آخر أكثر تعقيداً يتقدم إلى الواجهة، عنوانه: كيف أمكن لحريقين متتاليين في محطتي تحويل رئيسيتين أن يؤثرا في الكهرباء والمياه والاتصالات في مناطق واسعة من العاصمة وضواحيها؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وهل يتعلق الأمر بحادث استثنائي، أم أن ما وقع كشف نقاط ضعف بنيوية في شبكات النقل، والتوزيع والصيانة والرقابة؟
هذه الأسئلة وضعت الحكومة أمام ضغط سياسي وشعبي متزايد، دفعها إلى الانتقال من إدارة الأزمة ميدانياً إلى فتح تحقيق رسمي حُدد له أجل زمني، بينما صعّدت المعارضة خطابها، مطالبة بتحقيق مستقل وشفاف، وتعويض المتضررين، ووصل الأمر بالنائب المعارض بيرام الداه اعبيد إلى المطالبة باستقالة الحكومة وتشكيل لجنة تحقيق برلمانية موازية.
تأثيرات واسعة
وكان حريقان قد اندلعا، يومي الجمعة والسبت، في محطتي تحويل كهربائيتين تابعتين للشركة الموريتانية للكهرباء «صوملك»، إحداهما في توجنين والأخرى في نطاق تفرغ زينة، ما أدى إلى اضطرابات واسعة في التيار الكهربائي انعكست بدورها على خدمات حيوية أخرى، بينها المياه والاتصالات. وتكتسب المحطتان أهمية خاصة داخل شبكة العاصمة، إذ تغذيان نطاقاً جغرافياً واسعاً يمتد من ميناء تانيت، على بعد نحو خمسين كيلومتراً على طريق نواذيبو، مروراً بمطار نواكشوط الدولي «أم التونسي»، وصولاً إلى مقاطعات العاصمة بما فيها مقاطعات تفرغ زينة ولكصر والسبخة ودار النعيم وتوجنين، وأجزاء من مقاطعات عرفات، فضلاً عن مناطق شرق العاصمة بينها واد الناقة وإديني وآوليكات.
قراءة الحكومة
ومع استعادة التيار، بدأت الحكومة في تقديم قراءتها لما حدث: وقال وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الناطق باسم الحكومة الحسين ولد مدو، إن الحريقين كانت لهما انعكاسات كبيرة على توفير الخدمات الأساسية، لكنه شدد على أن ذلك لا يلغي، بحسب الحكومة، المكاسب والاستثمارات التي حققتها الدولة في قطاع الطاقة.
وأوضح ولد مدو أن الاستثمارات الموجهة إلى القطاع تصل إلى مليارات الدولارات، معتبراً أن المشكلة الأساسية لم تعد تكمن بالدرجة الأولى في إنتاج الكهرباء، وإنما في الاختلالات البنيوية المرتبطة بنقلها وتوزيعها.
وهذه النقطة تحديداً تنقل النقاش إلى مستوى أوسع؛ فإذا كانت قدرات الإنتاج قد تحسنت بالفعل، فإن الأزمة كشفت أن وفرة الإنتاج لا تكفي وحدها لضمان أمن كهربائي مستقر، ما لم تصاحبها شبكات نقل وتحويل وتوزيع قادرة على تحمل الأعطال، مع وجود بدائل احتياطية تسمح بعزل المنشأة المتضررة دون أن ينتقل أثر العطل إلى سلسلة من الخدمات الأساسية.
وفي محاولة للانتقال من معالجة النتائج إلى البحث في الأسباب، كلف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لجنة مستقلة بالتحقيق في ملابسات الحريقين، فيما أكد رئيس الوزراء المختار ولد اجاي أن التوجيهات الرئاسية شملت كذلك لجنة وزارية لمتابعة تداعيات الحادث وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، ولا سيما ضخ مياه الشرب وتوفير الطاقة للمستشفيات.
وحدد الوزير الأول للجنة التحقيق مهلة ثلاثين يوماً لتقديم تقريرها النهائي، على أن يعرض الوقائع الثابتة ويحلل أسباب الحريقين والعوامل التي ساعدت على اندلاعهما، ويحدد حالات الإخلال المحتملة والوقائع التي قد تترتب عليها مسؤوليات، إضافة إلى تقييم الآثار الناجمة عن الحادث.
كما يتعين أن يتضمن التقرير توصيات وخطة عمل مرتبة حسب الأولويات، تحدد الإجراءات المطلوبة والجهات المسؤولة عن تنفيذها، مع إمكانية تمديد فترة التحقيق، بصورة استثنائية ولمرة واحدة، خمسة عشر يوماً إضافية.
وأسندت رئاسة اللجنة إلى الوزير السابق كان عثمان، وضمّت المفتش العام للدولة سيدي محمد ولد بيده، ومستشار الرئيس المكلف بالطاقة والنفط تال عثمان، ورئيس اللجنة الوطنية لرقابة الصفقات العمومية محمد الكوري الشين، ومدير الطاقة في الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «سنيم» محمدو يحي بابا، إلى جانب خبراء دوليين.
وتدل تركيبة اللجنة على رغبة الحكومة في ألا يقتصر التحقيق على الجانب الفني المباشر للحريق، بل أن يمتد إلى ملفات التصميم والتجهيز والصفقات والرقابة؛ وهي الجوانب التي أصبحت في صميم الجدل السياسي الدائر حول الأزمة.
وبالتوازي مع التحقيق، وجّه الرئيس الغزواني بإعادة بناء المحطتين، وأكد الناطق باسم الحكومة، تعبئة الموارد المالية المطلوبة لذلك، بالعملة الوطنية والعملات الصعبة، مع إقراره بأن إعادة البناء ستحتاج إلى بعض الوقت.
لكن انتهاء الانقطاع لم يؤد إلى انحسار المواجهة السياسية، بل حدث العكس؛ إذ انتقلت المعارضة من انتقاد طريقة إدارة الأزمة إلى مساءلة السياسة الحكومية في قطاع الطاقة برمته.
فقد حمّلت مؤسسة المعارضة الديمقراطية الحكومة المسؤولية عن الأزمة والأضرار التي لحقت بالمواطنين ومصالحهم، معتبرة أن اندلاع حرائق في منشآت رئيسية وما تبعها من اضطراب واسع يثير أسئلة حول جاهزية المنظومة، وكفاءة الصيانة الوقائية وفعالية الرقابة على التجهيزات الحيوية. وطالبت بتحقيق فني وإداري مستقل وشفاف، وتحديد المسؤوليات ونشر النتائج أمام الرأي العام، فضلاً عن تعويض المتضررين، خصوصاً أصحاب الأنشطة التجارية.
ويرفع مطلب التعويض مستوى النقاش من المسؤولية الإدارية إلى المسؤولية الاقتصادية للدولة عن تعطل المرافق العمومية؛ فقد أدت الانقطاعات إلى خسائر لدى متاجر ومؤسسات وأنشطة تعتمد على التبريد والطاقة، فيما ترى المعارضة أنه لا ينبغي تحميل المواطن وحده تكلفة خلل في خدمة عمومية أساسية.
إقالة الحكومة
أما النائب المعارض بيرام الداه اعبيد فذهب أبعد من ذلك، مطالباً باستقالة الحكومة وإنشاء لجنة تحقيق برلمانية مستقلة عن اللجنة الحكومية.
وأكد الداه اعبيد أن التحقيق الحكومي يمكن أن يتولى الجوانب التقنية، بينما ينبغي للبرلمان أن يفحص الصفقات والوثائق الإدارية ويستمع إلى المسؤولين والوزراء لتحديد المسؤوليات السياسية والمؤسسية.
وبهذا الطرح، تدخل الأزمة منطقة أكثر حساسية، لأن السؤال لم يعد فقط: لماذا احترقت المحطتان؟ وإنما أصبح أيضاً: كيف تم اقتناء وتركيب وصيانة المعدات؟ وهل كانت منظومة الرقابة والإنذار والبدائل الاحتياطية كافية؟
وفي السياق نفسه، اعتبر حزب اتحاد قوى التقدم المعارض أن الحادث لا ينبغي النظر إليه باعتباره واقعة معزولة، رابطاً بينه وبين تكرار اضطرابات الكهرباء خلال السنوات الماضية، ومطالباً بمراجعة تشمل تصميم وبناء المنشآت وإبرام الصفقات واختيار المعدات ومراقبة الاستثمارات واكتتاب وتكوين العمال وحوكمة المؤسسات العمومية.
الفصل بين الحريق والإنجازات
وفي المقابل، تحاول الحكومة الفصل بين حادث المحطتين والحصيلة العامة لاستثمارات الطاقة، وتصر على أن القطاع عرف توسعاً كبيراً وأن التحدي الراهن انتقل أساساً من الإنتاج إلى النقل والتوزيع؛ كما تؤكد أن التحقيق الجاري هو الآلية التي ستسمح بالانتقال من «إدارة أزمة» إلى معالجة الاختلالات بصورة مستدامة.
غير أن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد انتهاء عمل اللجنة وليس قبله؛ فالرهان لا يتعلق فقط بتحديد الشرارة التي أشعلت الحريقين، وإنما بكشف كامل سلسلة المسؤولية: من التصميم والصفقات والمعدات إلى التركيب والصيانة والرقابة، وصولاً إلى طريقة إدارة الطوارئ.
وهكذا، عادت الكهرباء تدريجياً إلى نواكشوط، لكن الأزمة السياسية التي أشعلتها الحرائق لم تنطفئ بعد.

تعليقات الزوار
لا تعليقات