أخبار عاجلة

تشييع ضحايا حرائق الغابات في الجزائر وسط دعوات مراجعة استراتيجية الكوارث

شيعت الجزائر، ضحايا حرائق الغابات التي اجتاحت ولاية جيجل شرقي البلاد، إحدى أكثر المناطق تضرراً من الحرائق التي اندلعت في عدة ولايات منذ ليلة الأربعاء، وذلك وسط دعوات لإعلان المناطق المنكوبة ومراجعة استراتيجية مواجهة الكوارث الطبيعية.

وجرت مراسم التشييع الجماعي في مقبرة “دار البقاء” بمنطقة الجمعة بني حبيبي، بحضور الوزير الأول سيفي غريب وعدد من أعضاء الحكومة، بتكليف من الرئيس عبد المجيد تبون، وفق بيان لرئاسة الوزراء.

 

وأظهرت مشاهد من مراسم الجنازة دفن عدد من الضحايا في مقابر جماعية، فيما لم تعلن السلطات الجزائرية حتى الآن الحصيلة النهائية للضحايا.

 

وكان وزير الداخلية والنقل الجزائري السعيد سعيود أعلن، ليلة الأربعاء، مصرع 12 شخصا جراء الحرائق، بينهم 5 في جيجل، و4 في بجاية، و3 في تيزي وزو.

ودعت أحزاب سياسية جزائرية إلى إعلان الولايات والمناطق الأكثر تضررا من حرائق الغابات “مناطق منكوبة”، وإعادة النظر بشكل جذري في سياسة البلاد المتعلقة بإدارة المخاطر الكبرى، عقب موجة الحرائق التي تعد الأشد فتكا من حيث الخسائر البشرية في تاريخ البلاد.

وجاءت هذه الدعوات في بيانات صدرت الخميس، بعد ليلة استثنائية شهدت اندلاع حرائق متزامنة في عدد كبير من المناطق، خصوصا جيجل وبجاية وتيزي وزو، إلى جانب سكيكدة والطارف وتبسة، وقسنطينة، وبومرداس وغيرها.

وتركزت الانتقادات السياسية على ضرورة تجاوز منطق التدخل بعد وقوع الكارثة، نحو منظومة تقوم على الوقاية والاستباق والتخطيط، في ظل تزايد موجات الحر والظواهر المناخية القصوى.

وأظهرت حصيلة عملياتية للحماية المدنية تسجيل 159 حريقا للغطاء النباتي عبر البلاد، تم إخماد 90 منها، بينما ظلت 69 بؤرة متواصلة، مع تسجيل تركّز لافت في ولايات الشرق والشمال الشرقي.

وفي أبرز المقترحات السياسية، دعا حزب العمال إلى إعلان الولايات المتضررة “مناطق منكوبة”، معتبرا أن هذا الإجراء من شأنه رفع العوائق الإدارية وتسريع التكفل بالمتضررين، بما يشمل المساعدات والتعويضات وإعادة تأهيل المناطق التي تعرضت لخسائر.

وربط الحزب هذا المقترح باتساع رقعة الحرائق وسرعة انتشارها، مشيرا إلى أن مئات الآلاف من السكان وجدوا أنفسهم أمام النيران خلال ساعات الليل. كما أشار إلى أن صعوبة التدخل الجوي ليلا شكلت أحد العوامل التي عقدت عمليات الإخماد والإنقاذ، داعيا إلى وضع سياسة وطنية استراتيجية تجمع بين الوقاية ومكافحة الحرائق، وتعبئ إمكانات الحماية المدنية ومحافظات الغابات والجماعات المحلية بشكل منسق.

يأتي موقف حزب العمال في وقت أعلنت فيه السلطات فتح تحقيقات حول أسباب الحرائق وتزامن اندلاع عدد كبير منها. وبينما لم تتضح بعد نتائج التحقيقات، شدد الحزب على ضرورة انتظار نتائجها قبل تحديد المسؤوليات، مع طرح فرضيات متعددة تتعلق بالظروف المناخية والأسباب البشرية، بما فيها احتمال وجود أفعال إجرامية.

أما جبهة القوى الاشتراكية، فقد اختارت توسيع النقاش من إدارة الحرائق إلى “مقاربة عمومية جديدة لإدارة المخاطر الكبرى”، معتبرة أن تكرار الكوارث الطبيعية واتساع حدتها يفرضان مراجعة عميقة لمنظومة الوقاية والاستعداد والتدخل.

ودعت الجبهة إلى الانتقال من سياسة “رد الفعل” إلى سياسة تقوم على الاستباق والوقاية والاستعداد وتهيئة الأقاليم وحماية السكان، معتبرة أن اندلاع الحريق لا ينبغي أن يكون اللحظة التي تبدأ فيها الاستجابة العمومية، بل إن الجزء الأساسي من العمل يجب أن يتم قبل وقوع الكارثة.

ويقترح الحزب في هذا السياق إصلاحا عميقا للمندوبية الوطنية للأخطار الكبرى، مع منحها استقلالية أكبر وموارد بشرية وتقنية ومالية وصلاحيات واضحة في مجالات الرصد واليقظة والاستباق والوقاية والتنسيق وإدارة المخاطر. كما يدعو إلى وضع آلية تنسيق أكثر قوة بين المؤسسات المختلفة، بهدف ضمان وحدة القرار وسرعة التدخل عند وقوع الكوارث واسعة النطاق.

وتشمل مقترحات جبهة القوى الاشتراكية أيضا تعزيز الحماية المدنية بالأعوان والتجهيزات والوسائل اللوجستية الحديثة، إلى جانب تقوية مصالح الغابات من حيث الموارد البشرية والمعدات والصلاحيات، باعتبارها طرفا أساسيا في الوقاية من حرائق الغابات ومراقبة المناطق المعرضة للخطر.

كما يطرح الحزب المعارض إجراءات ميدانية تتعلق بتهيئة الغابات وصيانة المسالك وطرق الوصول، وتحسين أنظمة المراقبة والإنذار المبكر، وإعداد مخططات محلية للوقاية والتدخل. وتجدد في السياق نفسه اقتراح إنشاء صندوق لدعم المناطق الجبلية والغابية، بما يسمح بتنمية هذه المناطق وفك عزلتها وتعزيز قدرتها على مواجهة المخاطر.

ودعا كذلك إلى عقد “جلسات وطنية” حول المخاطر الكبرى وآثار التغير المناخي، بهدف إجراء تقييم شامل لمنظومة الوقاية وإدارة الكوارث، وتحديد الاختلالات والأولويات وتعبئة الخبرات والموارد، مشددا على إشراك الجماعات المحلية والخبراء والمجتمع المدني والسكان في صياغة سياسة وطنية جديدة.

ويطرح هذا الموقف مسألة أوسع تتعلق بتأثير التغيرات المناخية على طبيعة المخاطر التي تواجه الجزائر، خصوصا مع تزامن موجات الحر والجفاف والرياح القوية مع ارتفاع قابلية الغطاء النباتي للاشتعال. ويرى الحزب أن هذه الظواهر لم تعد استثنائية، ما يستوجب إدماجها في سياسات تهيئة الإقليم والبيئة والوقاية من الكوارث.

من جهته، ركز التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية على الأولوية الميدانية المتمثلة في حماية السكان، داعيا السلطات إلى تعبئة جميع الوسائل البشرية والمادية والجوية المتاحة لإجلاء السكان من المناطق المهددة، وإنقاذ الأشخاص الموجودين في خطر، ومحاصرة النيران.

وأكد الحزب، في بيان له أن تكرار موجات الحر الشديد وحرائق الغابات يستوجب “تغييرا في النموذج” المعتمد في الوقاية وإدارة المخاطر، بحيث لا تبقى المقاربة قائمة أساسا على الاستجابة بعد اندلاع الحرائق.

ويقترح التجمع تعزيز وسائل التدخل وتحديثها، وتحسين تهيئة وصيانة الفضاءات الغابية، ووضع أنظمة إنذار وحماية أكثر فعالية، مع إشراك الجماعات المحلية والخبراء والجمعيات والمجتمع المدني والسكان في عمليات الوقاية وحماية المناطق.

كما يربط الحزب بين اتساع رقعة الكوارث والحاجة إلى استراتيجية وطنية للتكيف مع التغيرات المناخية، معتبرا أن تزايد وتيرة الظواهر المناخية القصوى يفرض على الدولة توفير سياسات ووسائل تتناسب مع طبيعة المخاطر الجديدة.

وفي جيجل، دعا النائب السابق عن الولاية، ناصر حمدادوش، إلى إعلان المنطقة “منكوبة”، في ظل ما وصفه باتساع الخسائر البشرية والمادية. وتحدث في منشور له عن أعداد كبيرة من الوفيات والمصابين والمفقودين، وهي أرقام بحاجة إلى تأكيد السلطات.

أما حركة مجتمع السلم، فركز بيانها على استمرار التعبئة وتوفير الإمكانات اللازمة لحماية السكان والممتلكات ومرافقة الأسر المتضررة، دون طرح حزمة سياسية تفصيلية مماثلة لما ورد في بيانات الأحزاب الأخرى.

وتأتي هذه المواقف في سياق حرائق اعتبرت الأشد ضراوة خلال صيف 2026، بعدما انتقلت النيران في عدة مناطق من الغطاء الغابي إلى المجال المأهول. ففي جيجل، سجلت عدة بؤر في أولاد يحيى خدروش وتاكسنة وزيامة منصورية وسيدي معروف وبرج الطاهر والشقفة، فيما وصلت النيران في مناطق عدة إلى محيط السكان، واستدعت عمليات إجلاء.

وفي بجاية، سجلت حرائق متواصلة في عدد من المناطق، بالتزامن مع تسجيل عشرات الإصابات، بينها حالات خطرة، بينما شهدت ولايات أخرى مثل تيزي وزو وسكيكدة والطارف وتبسة وقسنطينة انتشار بؤر مختلفة.

وتضاعفت صعوبة السيطرة على النيران بفعل الحرارة المرتفعة والرياح القوية التي ساعدت على سرعة انتقالها وتغيير اتجاهها، في منطقة تتسم أصلا بكثافة الغطاء الغابي وتداخل المناطق الجبلية مع القرى والمداشر والمجالات الزراعية.

كما أعادت هذه الحرائق إلى الواجهة مسألة الإمكانات الجوية المتاحة لمكافحة الحرائق، خاصة أن بعض العمليات تصبح أكثر تعقيدا خلال الليل، في وقت تتزامن فيه الحرائق أحيانا في عدة ولايات، ما يفرض توزيع وسائل التدخل على جبهات متعددة.

وفي بيان للرئاسة، أعلن الرئيس عبد المجيد تبون، حدادا وطنيا لمدة ثلاثة أيام على ضحايا الحرائق، مع تنكيس الأعلام وإلغاء مظاهر الاحتفالات والمنافسات الرياضية خلال فترة الحداد. كما أشارت الرئاسة إلى أن الحرائق جاءت في وقت كانت فيه السلطات قد شرعت في تعويض متضررين من حرائق سابقة.

 

 

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات