أخبار عاجلة

الموت في الطرقات بضاعة رائجة في الجزائر

الجزائريون يموتون بسهولة، ولأن الموت سهلٌ، يموتون بكثرة.
تتوقف لحظات مع أيّ محطة تلفزيونية خاصة، في أي ساعة من اليوم والأسبوع والشهر، فيصدمك تسلسل مثل هذه الأخبار أسفل الشاشات: وفاة 4 أشخاص في اصطدام سيارتين في الطريق الرابط بين مدينتي سوق أهراس وتبسة. وفاة 3 أشخاص في انجراف حافلة في ولاية غليزان. وفاة طفل غرقا في بئر مهجورة في ولاية عين الدفلى. وفاة عائلة من 4 أشخاص اختناقا بغاز أحادي أكسيد الكربون في ولاية الأغواط. وفاة طفلة في السابعة من عمرها بعضّة كلب مسعور في ولاية خنشلة. وفاة رجل بصعق كهربائي في بيته في ولاية البليدة.. إلخ.
هذا عدا عن الموت قتلا وبالمرض والإهمال الطبي. هذه لا تُذكر كثيرا في الأخبار.
وراء كل خبر مأساة إنسانية، ومصيبة نسفت حياة عائلة ما وغيّرتها إلى الأبد.
ورغم أنها أرقام تصيبك بالقشعريرة، إلا أن القائمين عليها يقدمونها جافة وباردة إلى حد الألم. كأنها لمجاهيل، بلا أسماء وبلا تفاصيل.
الإعلام الجزائري يحب تجارة الجملة. لذلك ليس من عادته التوقف عند التفاصيل، لأنها غير مهمة. التفاصيل تعني تخصيص وقت وجهد للبحث والتدقيق.
وعموما، الأخبار كثيرة تجعل من الوقوف عند التفاصيل مضيعة للوقت تؤخر اللحاق بتدفق هذه الأخبار، فيخسر الصحافي أو صاحب المؤسسة الإعلامية سباق الإثارة.
ذبَح إرهابيون مئات الأبرياء طيلة سنوات في تسعينيات القرن الماضي ولا أذكر أن الجهات الإعلامية اهتمت بأسماء الضحايا وأعمارهم وأحلامهم، رغم أنها تفاصيل مربحة إنسانيا وسياسيا. فكيف ننتظر روحا في أخبار شيخ دهسته سيارة وطفل غرق في بئر مهجورة في قرية منسية.
توفي 18 إنسانا في سقوط حافلة في أوحال واد الحَـــرّاش (وما أدراك ما واد الحَــرّاش) الصيف الماضي ولم تنشر أي جهة صورهم وأسماءهم وتفاصيل عنهم. كأنهم أشباح أعادهم الموت إلى عالمهم الذي ينتمون.
أحيانا تجتمع هذه الأخبار معا. وأحيانا أغلبها. وفي أحيان ثالثة بعضها. في بعض الحالات تقرأ على الأقل خبرا واحدا من هذا النوع في أي ساعة من اليوم تقودك نفسك إلى شاشات “الشروق” أو “النهار”.
المهم هي وجبة يومية مُرَّة.
لا وجود لهذه الأخبار في التلفزيون الحكومي. ربما يعتقدون أنها بلا أهمية ولا ترقى للبث في شاشة تلفزيون وطني. أو يعتقدون أنها تسيء لأخبار الرئيس والوزراء التي تغمر الشاشات. أو يظنون أن بثها يُسوّق للعالم صورة سيئة عن الجزائر.
وهي موجودة بكثرة في التلفزيونات الخاصة، ولو بتلك الطريقة، ربما اعتقادا من القائمين عليها أنها ترفع أرقام المشاهدة.
هذا كله يحيل إلى حقيقة واحدة حزينة: حياة قاسية لا شيء فيها يسير على ما يرام. الكل فيها مسؤول لكن لا أحد يُحاسَب.
حياة تتوالى فيها جنائز مَن مات في حادث سير ومَن عضّها كلب مسعور ومَن سقط عليه عمود كهرباء وغيرهم، مغطاة بغشاوة من قبيل “وصلت ساعتهم” و”تقدّرت عليه”، و”لا أحد يوم قبل يومه” وما شابهها.
لماذا هذه المآسي؟
لأن من هب ودب يُمنح فرصة استيراد سخانات الغاز. وأيّ كان يبيعها. وأيّ كان يركبها في بيوت الناس. ولا أحد من هؤلاء الناس يستفسر عن أبسط المعلومات التي هي من حقوقه الأساسية.
أيّ كان يقود حافلة يزج على متنها بعشرات الناس ثم يسابق بهم الريح بين الولايات والمدن، وغالبا بينما هم نيام.
أيّ كان يعمل ميكانيكي ويعيش دور المعلم، يفحص المركبات بغرور كأنه هو مَن صممها وصنعها، ثم لا يتردد في وضع قطعة سيارة “رينو” في “فيات” وقطعة سيارة “كيا” في “مرسيديس بنز” وهكذا.

أيّ مقاول، خاص أو حكومي، يحفر حفرة في طريق يستطيع تركها ويذهب بعد أن يُنهي الأشغال واثقا أن لا أحد سيسأله لماذا.
أيّ مزارع يستطيع حفر بئر وتركها بلا أبسط أدوات الأمان، ثم ينصرف لشأنه غير مكترث بما سيحدث بعد ذلك.
أسمع صوتا يقول أعطنا حلولا فقد تعبنا من توصيف واقع نعلمه جميعا.
الحل أن تبدأ الجهات الحكومية، بدون تأخير، وضع خطط عمل. لا يحتاج الأمر إلى اختراع أو إبداع. فقط انسخوا تجارب البريطانيين والألمان والإيطاليين ثم طبقوا ما استطعتم منها.
لتكن الخطة طموحة ثم يُطبق 25% منها في العام الأول، و25% أخرى في العام الثاني و50% في العام الثالث أو الرابع. بعد خمس سنوات تبدأ أرقام الموت بغاز أحادي أكسيد الكربون قد بالتراجع.
لا بد من البدء في نقطة ما وإلا سيبقى الجزائريون على هذه الحال إلى يوم يبعثون. لكن البدء ليس على طريقة قانون المرور الذي جاءت به الحكومة قبل أسابيع ثم أدخلت نفسها في أزمة اجتماعية بسببه.
الأوروبيون لا يلتزمون بالقوانين، كل القوانين، لأنهم ملائكة، وإنما لأن القوانين صارمة لا ترحم، وتُطبّق على الكل بلا استثناء. ثم يكتشفون أن الالتزام بالقوانين يجعل منك إنسانا متصالحا مع نفسك ومفيدا للمجتمع، وانتهاكها يُفقدك احترامك لنفسك ويعرّضك لعقوبة، قد تبدأ بمبلغ مالي وتنتهي بك في السجن. ولن ينقذك أحد حتى لو كنت ابن الملك أو الرئيس.
الأجهزة الحكومية في الجزائر تحب كثيرا “حملات التوعية” وشعاراتها.. “يا بابا لا تستعجل نحن بانتظارك”، و”في التأني السلامة وفي العجلة الندامة”. والصحافيون يستمتعون بمرافقة الجهات المعنية في حملاتها في الشارع العام، خصوصا حملة الوقاية من حوادث المرور. المشكلة أنهم كلما أكثروا من حملات التوعية من حوادث السير زادت الحوادث ومآسيها، لكن لا أحد قال كفى.
أستطيع أن أجزم بأنك نادرا ما تجد عائلة جزائرية غير معنية بحادثة سير في مرحلة ما من حياتها.
وكذلك لا توجد عائلة تنام واثقة 100% من أن سخان الغاز في بيتها آمن 100%.

توفيق رباحي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات