أخبار عاجلة

أكثر من 100 ألف شخص يغادرون منازلهم في المناطق المنكوبة في فيضانات المغرب

في مدينة القصر الكبير شمالي المغرب، يعيش السكان منذ أيام على وقع ارتفاع منسوب «وادي اللوكوس»، في ظل مخاوف متزايدة من تداعيات الفيضانات، حيث أدت هذه الوضعية إلى تغيير ملموس في الحياة اليومية بالمدينة، وتحول عدد من الأزقة والأحياء إلى مناطق إخلاء، فيما غادر آلاف السكان منازلهم نحو وجهات مؤقتة، في انتظار تحسن الأوضاع وعودة الاستقرار.
وبدأت التدخلات الرسمية بإجراءات وُصفت بالاحترازية، شملت إخلاء تدريجيا للأحياء المهددة، ونقل السكان بشكل منظم إلى مدن ومناطق مجاورة، مع إحداث مراكز للإيواء. غير أن تطور المعطيات الميدانية دفع السلطات إلى رفع مستوى التأهب، حيث تم الإعلان عن حالة التأهب القصوى، وإجلاء السكان في عملية غير مسبوقة في تاريخ المدينة الحديث.
وأدلى الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية المغربية، أمس الأربعاء، بتصريح صحفي قال فيه: «في إطار التتبع المستمر والاستباقي للوضعية المناخية، وتفعيلا لمقاربة وقائية تروم حماية الأرواح والممتلكات قبل تفاقم المخاطر، وبالنظر إلى الفيضانات التي تشهدها بعض مناطق المملكة المغربية، ولا سيما نتيجة الارتفاع الملحوظ في منسوب الأودية والمجاري المائية، عملت السلطات العمومية خلال الأيام السابقة، بتنسيق وثيق بين مختلف القطاعات والمصالح على تعبئة شاملة واستباقية لمواجهة هذه الوضعية الاستثنائية». وأشار المسؤول المغربي أنه تنفيذا لتوجيهات العاهل محمد السادس، عرفت هذه العملية تعبئة ميدانية مكثفة، مع نشر وحدات للقوات المسلحة الملكية بتنسيق مع وزارة الداخلية وباقي المتدخلين، لتأطير عمليات إجلاء ونقل المواطنين وضمان انسيابيتها، مع تسخير كافة الإمكانيات اللوجستية والموارد البشرية اللازمة.
وأوضح أنه حرصا على سلامة المواطنين، جرى اعتماد الإجلاء التدريجي لسكان مجموعة من المناطق، وفق منهجية تراعي درجات الخطورة وحجم الأضرار المتوقعة، بالإضافة إلى توفير وسائل لنقل الأشخاص المتضررين.
وأوضح أن العملية أسفرت إلى غاية صباح الأربعاء، عن إجلاء ونقل ما مجموعه 108423 شخصا، موزعين على النحو التالي:
ـ إقليم العرائش: 81709 شخصا (خاصة بمدينة القصر الكبير، حيث بلغ عدد الأشخاص الذين تم إجلاؤهم والذين غادروا بوسائلهم الخاصة نسبة 85 في المئة من سكان المدينة)
ـ إقليم سيدي قاسم: 9728 شخصا.
ـ إقليم سيدي سليمان: 2853 شخصا.
ـ إقليم القنيطرة: 14133 شخصا.

مخيمات إيواء وتقديم الدعم

وأضاف الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية المغربية أن مجموع التدابير المعتمدة ساهمت في الحد من انعكاسات هذه الوضعية الاستثنائية وضمان أمن وسلامة الجميع. كما واصلت المصالح المختصة مواكبة السكان المتضررين، من خلال إحداث عدد من مخيمات الإيواء وفضاءات الاستقبال وتوفير مختلف أشكال الدعم الضرورية، بما يخفف من آثار هذه الظروف الصعبة ويعزز شروط السلامة العامة.
وتابع أنه في المرحلة الراهنة، وتحسبا لتداعيات التقلبات المناخية المرتقبة خلال الأيام المقبلة، وبناء على النشرات الإنذارية الصادرة عن الجهات المختصة، والتي تشير إلى احتمال تسجيل تساقطات مطرية قد تصل إلى 150 ملم في ظرف وجيز ببعض المناطق، وما قد ينجم عنها من واردات مائية استثنائية وغير مسبوقة، خاصة على مستوى سد وادي المخازن، حيث تفيد المعطيات الهيدرولوجية الأخيرة إلى تسجيل ارتفاع قياسي في حقينته، مما قد يؤدي إلى تشكيل ضغط كبير على منشآته، فقد تقرر اتخاذ مجموعة أخرى من التدابير الاستباقية والاحترازية الكفيلة بضمان حماية السكان وسلامة المنشآت.
وأضاف قائلا إنه في ضوء مؤشرات الخطورة المتزايدة، واحتمال تفاقم المخاطر بشكل سريع ومفاجئ، تدعو وزارة الداخلية وبشكل عاجل، كافة المواطنات والمواطنين الموجودين في المناطق التالية التابعة لإقليم العرائش: القصر الكبير والسواكن وأولاد اوشيح، وكذا المنطقة الصناعية في العرائش والمناطق المحاذية لمصب وادي اللوكوس، إلى التقيد الصارم بتعليمات السلطات العمومية بالإجلاء والامتثال لكافة الإجراءات المتخذة، وعلى رأسها الإخلاء الفوري، حفاظا على الأرواح.
وفي ضوء المعطيات التقنية المتعلقة بالحالة الهيدرولوجية الراهنة بالمملكة، ستواصل مختلف السلطات العمومية والقطاعات الحكومية والمصالح المعنية، في إطار من التجند الشامل والتنسيق المستمر، تنفيذ كافة التدابير الضرورية الكفيلة بحماية الساكنة وضمان سلامة المواطنين وممتلكاتهم.
وفي هذا الصدد، أكد الناطق الرسمي باسم الداخلية المغربية، أن الوضع يقتضي الرفع من درجة التعبئة وتعزيز العمل المشترك بين السلطات العمومية والسكان المحليين، الذين عبّروا عن مستوى عال من المسؤولية والوعي بمتطلبات هذه الظرفية، وعن التزام قوي كذلك بالتدابير والإجراءات المتخذة.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق تحذيرات متكررة من المصالح المختصة، خاصة بعد صدور نشرات إنذارية من مستوى يقظة «أحمر»، حذرت من تساقطات مطرية قوية وأحيانا رعدية. وتشير التوقعات إلى تسجيل كميات تتراوح بين 100 و150 ملم في بعض الأقاليم المجاورة، وما بين 60 و100 ملم في مناطق تشمل الحوض المائي لـ»وادي اللوكوس»، وهو ما يرفع من مخاطر الفيضانات ويضاعف من حالة القلق في صفوف الساكنة.
في قلب هذه التطورات، تحركت السلطات المحلية، في سباق مع الزمن. قوات أمنية، وقوات مساعدة، وعناصر الدفاع المدني، والجيش الملكي، جميعهم انخرطوا في عملية إجلاء واسعة. فيما جابت عشرات الحافلات الأحياء المهددة، تنقل المواطنين وممتلكاتهم في ظروف صعبة، لكنها منظمة، في مشهد يعكس حجم التعبئة التي فُرضت بفعل الظرفية المناخية غير المسبوقة.

مشهد إنساني معقد

ورغم الطابع الرسمي لهذه التحركات، فإن المشهد الإنساني كان أكثر تعقيدا، حيث غادرت أُسر منازلها على عجل، بعضها حمل ما تيسر من أغراض، وبعضها الآخر ترك كل شيء خلفه، فالخوف كان سيد الموقف، لا سيما لدى المسنّين والمرضى والأطفال. في هذا السياق، كتب الناشط نزار خيرون على صفحته في فيسبوك متسائلا: «أسبوع على الكارثة التي حلت بمدينة القصر الكبير.. ألم يحن الوقت أن تعلن الحكومة القصر الكبير مدينة منكوبة؟ وإلا، متى؟». ومع تصاعد القلق، برزت أصوات تحاول التهدئة، دون إنكار جسامة الوضع. وأشار الأكاديمي والوزير الأسبق خالد الصمدي إلى أن التدخلات تمت طبقا لتوجيهات الملك محمد السادس، وبأن الجيش الملكي والسلطات المختصة، بتنسيق مع السكان ومؤسسات المجتمع المدني، اتخذوا كل الإجراءات المتعلقة بالإنقاذ والنقل وتوفير المستلزمات الطبية والغذائية والسكن. وأكد أن هذا التضامن يعكس عمق قيم التآزر بين المغاربة، مذكرا في الوقت ذاته بأن المدينة لم تسجل خسائر في الأرواح، رغم الأضرار التي لحقت بالممتلكات.
غير أن غياب الضحايا لم يُلغِ الإحساس بالفقد. فالصحافي والمحلل السياسي أحمد الدافري وصف المشهد بحزن لا يكفيه الوصف، وقال: «مواطنون غادروا بيوتهم مفزوعين، بعضهم نسي وثائق ملكيته من شدة الرعب، وآخرون لا يعرفون أين سيقيمون. وسط هذه المأساة، تختلط التفسيرات العلمية بالشائعات، حتى إن البعض تساءل بقلق أو بسخرية مريرة، عن «سفينة» ستأتي لتحمل الناس كما في قصة الطوفان».
أما يونس مسكين، مدير نشر موقع «صوت المغرب»، فاعتبر أن ما تعيشه مدينة القصر الكبير منذ أيام لا يمكن فهمه إلا من زاوية واحدة: الخوف من أسوأ سيناريو ممكن، والمتمثل في احتمال انفجار سد وادي المخازن المحمّل بكميات هائلة من المياه تقترب من مليار متر مكعب. ومن هذا المنطلق، يعتبر أن كل الإجراءات الاحترازية المتخذة، مهما بدت قاسية أو مربكة للساكنة، تبقى منطقية وضرورية ما دام الهدف الأساس هو حماية الأرواح وتفادي مأساة قد تكون غير مسبوقة في تاريخ المغرب، لأن التعامل مع خطر من هذا الحجم لا يحتمل التردد أو المجازفة.

اختلالات تدبيرية

غير أن هذا الخوف المشروع، يضيف مسكين على صفحته على فيسبوك، يطرح في المقابل أسئلة مقلقة حول التدبير المسبق للسد، «فكيف سُمح بوصول حقينته إلى مستويات تفوق بكثير النسب الآمنة المتعارف عليها؟ ولماذا لم يبدأ التنفيس في وقت مبكر، كما تنص عليه القواعد التقنية التي تحدد عتبة 80 في المئة كنقطة تدخل؟ وهل نحن أمام ظرف قهري فرضته تساقطات استثنائية خارجة عن السيطرة، أم أمام اختلالات تدبيرية تتعلق بقنوات التصريف وبوابات التنفيس؟».
هذا الخوف يجد تفسيره في الأرقام التي قدمها مختصون. الأستاذ الجامعي سعيد الحاجي، ابن المدينة، أوضح أن تصريف مياه سد وادي المخازن بمعدل 1500 متر مكعب في الثانية يعني 129 مليون متر مكعب في اليوم، أي ما يعادل سعة سد متوسط تُفرغ في واد واحد خلال يوم. مقارنة قد تبدو تقنية، لكنها تُقرب صورة الخطر. فكارثة ليبيا سنة 2023، التي دمرت مدينة بأكملها، نتجت عن انهيار سدين لم تتجاوز سعتهما مجتمعتين 25 مليون متر مكعب.
من زاوية أكثر تخصصا، شرح جواد الخراز، مدير شبكة «خبراء المياه والطاقة والمناخ»، في تصريحات صحافية، أن وصول سد وادي المخازن إلى نسبة ملء 100 في المئة، بل وتجاوزها في بعض التقديرات، في هذه المرحلة المبكرة من الموسم المطري، يمثل خطورة عالية. فالسد يفقد دوره التنظيمي كخزان احتياطي للفيضانات، ويُجبر على تصريف كل ما يرد إليه لتفادي أخطار أكبر. ورغم تأكيد السلطات أن السد في حالة تقنية جيدة، فإن هذا التصريف نفسه يرفع منسوب الوادي أسفل السد، ويضاعف مخاطر الفيضانات في المناطق المنخفضة، وعلى رأسها أحياء القصر الكبير.
هذا التفسير العلمي يلتقي مع تحذيرات «المديرية العامة للأرصاد الجوية». فقد أكد مسؤول التواصل الحسين يوعابد ضمن تصريحات صحافية، أن تراكم الأمطار في فترة زمنية قصيرة يرفع بشكل كبير خطر الفيضانات والسيول المفاجئة، خاصة في المناطق ذات التصريف المائي الضعيف.
وفي خضم هذه الظروف، لم يقتصر التدخل على الإجلاء فقط، إذ ساهمت «المديرية العامة للأمن الوطني» بدورها عبر وحدتين متنقلتين لإنتاج الخبز، في خطوة لافتة لتأمين الحاجيات الأساسية. وأوضح العميد الإقليمي محمد آيت السودان أن المخبزتين تنتجان حاليا نحو 6000 وحدة خبز يوميا، مع إمكانية رفع الإنتاج إلى 10 آلاف حسب الحاجة، وذلك بتنسيق مع السلطات المحلية وتحت إشراف كوادر السلامة الصحية.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات