أخبار عاجلة

موريتانيا تتجه لتحديث منظومتها الانتخابية عبر التكنولوجيا

في ظل تحولات متسارعة تشهدها الممارسات الانتخابية حول العالم، تتجه موريتانيا إلى إحداث نقلة نوعية في منظومتها الانتخابية، عبر تبني أدوات تكنولوجية حديثة والاستفادة من الدعم الدولي، بهدف تعزيز الشفافية والنجاعة وترسيخ الثقة في المسار الديمقراطي.
ويتزامن هذا التوجه، مع نقاشات سياسية ومجتمعية واسعة، تضع إدماج المرأة في صلب الإصلاحات المرتقبة، باعتباره رهانًا أساسيًا لتكريس مشاركة أكثر شمولًا وعدالة في الحياة السياسية، ولإعادة تشكيل المشهد الانتخابي على أسس عصرية تستجيب لتطلعات المرحلة.
وهكذا لم يعد الاهتمام مقتصراً على الانتخابات ولا على يوم الاقتراع أو على النتائج المعلنة بعده، بل بدأ يتجه تدريجيًا نحو أسئلة أوسع تتعلق بطبيعة المشاركة، وأدوار الفاعلين، وأدوات إدارة العملية الانتخابية.
وقد ظهر هذا التحول بوضوح خلال اليومين الأخيرين من خلال مسارين متوازيين، يتعلق الأول بإدماج مقاربة النوع الاجتماعي في العملية الانتخابية، والثاني يركز على تحديث المنظومة الانتخابية عبر التكنولوجيا والدعم الدولي.
وفي هذا السياق، نظمت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، أمس، ورشة عمل خُصصت للمصادقة على الاستراتيجية الوطنية للنوع الاجتماعي والانتخابات، بمشاركة ممثلين عن مؤسسات رسمية، وهيئات فنية، وشركاء دوليين.
واتخذ اللقاء طابعًا تقنيًا ونقاشيًا، مركزًا على مدى قابلية الوثيقة للتطبيق في بيئة انتخابية لا تزال تواجه تحديات بنيوية.
وتهدف الاستراتيجية إلى تعزيز مشاركة النساء في مختلف مراحل العملية الانتخابية، سواء تعلق الأمر بالترشح أو التصويت أو إدارة الانتخابات والإشراف عليها، في محاولة لتجميع جهود متفرقة سابقة ضمن إطار مرجعي واحد، في ظل إدراك متزايد بأن ضعف التمثيل النسائي لا يرتبط فقط بالنصوص القانونية، بل أيضًا بعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية أعمق.
وخلال الورشة، قُدمت عروض تناولت مضمون الوثيقة ونتائج مراحل إعدادها، إلى جانب نقاشات مفتوحة حول آليات التنفيذ، والموارد المتاحة، وحدود التدخل المؤسسي.
وطرح مشاركون أسئلة حول الفجوة القائمة بين السياسات المعلنة والممارسة الفعلية، خاصة على المستوى المحلي، حيث لا يزال حضور النساء في رئاسة البلديات والمجالس الجهوية محدودًا.
وفي كلمته الافتتاحية، أشار نائب رئيس اللجنة المستقبلة للانتخابات، محمد الأمين داهي، إلى «أن إدماج النوع الاجتماعي بات جزءًا من الإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية، مذكرًا بما نص عليه في هذا الصدد، القانون رقم 080-2017 الصادر عام 2017، المتعلق بتعزيز ولوج النساء إلى الوظائف الانتخابية.
وركز الدكتور داهي حديثه على التحديات المرتبطة بالتنفيذ، وعلى ضرورة احترام مبادئ النزاهة وتكافؤ الفرص في جميع مراحل العملية الانتخابية.
وتشير بيانات الانتخابات الأخيرة إلى أن نسبة النساء المنتخبات في اقتراع 2023 بلغت نحو 23.3 في المئة، وهو رقم يُعد الأعلى في تاريخ البلاد؛ غير أن هذا التقدم العددي لا يعكس بالضرورة تحسنًا نوعيًا في مواقع القرار، إذ لا تزال النساء أقل حضورًا في المناصب التنفيذية المحلية، ما يثير تساؤلات حول فعالية نظام الحصص وقدرته على إحداث تغيير مستدام.
ويتقاطع هذا النقاش حول الشمول السياسي مع مسار آخر لا يقل أهمية، يتمثل في تحديث أدوات إدارة الانتخابات.
وفي ذلك الإطار، وقّعت اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، أمس الأول، مذكرة تفاهم مع الاتحاد الأوروبي والمركز الأوروبي لدعم المسارات الانتخابية، لإطلاق مشروع يهدف إلى تطوير المنظومة الانتخابية وتحديثها تكنولوجيًا، بميزانية تُقدّر بنحو 890 ألف يورو.
ويندرج المشروع، الذي يمتد بين عامي 2025 و2027، ضمن مقاربة تعتبر الانتخابات مسارًا طويل الأمد، لا حدثًا ظرفيًا.
ووفق المعطيات الرسمية، يركز البرنامج على إدماج التكنولوجيا في العمليات الانتخابية، وتحديث الإطار القانوني، وتعزيز قدرات المؤسسات المشرفة على الاستحقاقات المقبلة، خصوصًا تلك المقررة في عامي 2028 و2029.
وأوضح رئيس اللجنة، الداه ولد عبد الجليل، أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز جاهزية المنظومة الانتخابية وتحسين أدائها.
وفي المقابل، ربط سفير الاتحاد الأوروبي في نواكشوط، خواكين تاسو فيلالونغا، هذا الدعم بتوصيات المراقبين الدوليين لانتخابات 2024، في إشارة إلى ملاحظات سابقة تتعلق بالتنظيم والشفافية.
من جانبه، اعتبر نائب رئيس المركز الأوروبي لدعم المسارات الانتخابية، ناسيمنتو أبينتو تيكزيرا، أن الانتخابات لا يمكن اختزالها في يوم الاقتراع، بل هي عملية مستمرة تتطلب إطارًا قانونيًا واضحًا، ومؤسسات قادرة، وإعلامًا مهنيًا، واحترامًا دائمًا للحقوق الأساسية.
وبين رهان إدماج النساء في الحياة السياسية ورهان تحديث الأدوات الانتخابية، تبدو موريتانيا أمام محاولة لإعادة تصنيف علاقتها بالانتخابات، ليس فقط كآلية لتجديد الشرعية، بل كمسار تراكمي يتطلب إصلاحات تدريجية، وتوافقات مؤسسية، وقدرًا من الصبر السياسي، في بيئة اجتماعية وسياسية لا تزال تشهد تحولات متسارعة.
وتأتي هذه الجهود الإصلاحية في سياق لا يخلو من تشكيك مستمر من أطراف في المعارضة الموريتانية في آليات تنظيم الانتخابات.
فخلال الاستحقاقات الأخيرة، ولا سيما الرئاسيات، طعن عدد من المرشحين وقادة المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية، مشيرين إلى ما وصفوه بـاختلالات في إدارة الاقتراع، وتفاوت في تكافؤ الفرص، وتحفّظات على حياد بعض أدوات الدولة، بما في ذلك الإعلام العمومي.
وكان المرشح المعارض بيرام ولد الداه اعبيد من أبرز الأصوات التي رفضت النتائج المعلنة، معتبرًا أن العملية شابتها «مخالفات جوهرية»، وهو ما انعكس في توترات واحتجاجات أعقبت إعلان النتائج.
كما استندت المعارضة، في مواقفها، إلى ملاحظات سابقة صدرت عن مراقبين دوليين ومنظمات مهتمة بالمسارات الانتخابية، تحدثت عن ثغرات بنيوية تتعلق بإدارة العملية الانتخابية، وتمويل الحملات، واستخدام النفوذ المحلي، إضافة إلى محدودية تمثيل النساء والمعارضة في بعض مراكز القرار الانتخابي.
ورغم إقرار هذه الجهات بحدوث تحسينات تنظيمية مقارنة بمحطات سابقة، فإنها شددت على أن تعزيز الثقة في الانتخابات يظل رهين إصلاحات أعمق، تشمل تحديث الإطار القانوني، وضمان استقلالية المؤسسات المشرفة على الانتخابات، وتعزيز الشفافية في جميع مراحل المسار الانتخابي.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات