أظهرت سيغولان روايال المرشحة الرئاسية السابقة في فرنسا، رغبتها في قيادة مساعٍ لتجاوز الأزمة بين البلدين، مع الدعوة في البداية لإظهار حسن نية الطرف الفرنسي من خلال إرجاع متعلقات وكنوز تاريخية لازالت باريس تحتفظ بها لتهدئة ملف الذاكرة.
وأوضحت سيغولان روايال، رئيسة جمعية الصداقة الفرنسية-الجزائرية، عقب استقبالها من قبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أنها عرضت رؤية للخروج من الأزمة القائمة بين البلدين منذ جويلية 2024، معربة عن رفضها للمواقف الصادرة عن التيارات المتطرفة في فرنسا التي لا تزال، حسب قولها، لا تعترف بالسيادة الوطنية للجزائر.
وقالت السياسية الاشتراكية الفرنسية: “جئت إلى الجزائر للاستماع والتعلم”، مشيرة إلى أن اهتمامها ينصب على مجالي الإبداع الاقتصادي والثقافة، مع التذكير بأن الجمعية التي تترأسها تعمل منذ أكثر من ستين سنة على ترقية الحوار والصداقة والتبادل والتفاهم المتبادل والبحث عن آفاق مشتركة بين الشعبين.
وفي حديثها، تطرقت روايال إلى ماضي البلدين، واصفة إياه بـ”التاريخ المجروح”، وقالت إنه تاريخ تميز بالهيمنة وبممارسات عنيفة وغير لائقة، لكنه شهد أيضا نضالات ومقاومات ومصائر متشابكة، وعائلات تشكلت بين الضفتين، إضافة إلى مشاريع اقتصادية وثقافية مشتركة وشراكات وإمكانات كبيرة يجب تثمينها.
وهنا، أكدت ضرورة تجاوز الخطابات الاستفزازية والمزايدات السياسية، معتبرة أن هذه المواقف تصدر عن أطراف لا تريد للجزائر أن تتقدم ولا تقبل بعد بسيادتها الوطنية، ولا بدورها الدبلوماسي في العالم، ولا بخيارها في عدم الانحياز، ولا بحريتها الكاملة في اختيار تحالفاتها وقضاياها. وأضافت: “أنا أحترم بعمق هذه السيادة، وآمل أن تحترمها السلطات الفرنسية هي الأخرى”.
وشددت على أن ترميم الصداقة بين فرنسا والجزائر يجب أن يتم عبر الحوار وبناء جسور المعرفة والاحترام، موضحة أن الذاكرة “ليست امتيازا ولا شعورا بالذنب الموروث”، بل هي واقع جراح ومواجهات ينبغي تسميتها ومعالجتها والاعتذار عنها دون أي مقابل حتى لا تتكرر.
وفي هذا السياق، قالت إن “أول خطوة كان يجب على فرنسا القيام بها منذ وقت طويل هي استرجاع الممتلكات الثقافية والأرشيف”، مؤكدة أنها ستبذل كل ما في وسعها لتحقيق ذلك. وذكرت على وجه الخصوص متعلقات الأمير عبد القادر وغيرها من الشخصيات الجزائرية، إضافة إلى رفات جميع الشهداء المحفوظة في متحف الإنسان بباريس، حتى يتم دفنهم بشكل لائق.
كما دعت إلى استرجاع جميع الأرشيفات الموجودة في إيكس-أون-بروفانس، والتي جرى رقمنة جزء منها، ما يسمح بإعادتها بسرعة، إلى جانب مدفع الجزائر الموجود بمدينة بريست. وذكّرت بأن اللجنة المختلطة للتاريخ والذاكرة أكدت هذه المطالب في تقريرها الصادر في 22 نوفمبر 2023، مشيرة أيضا إلى ضرورة تسليم كامل الأرشيف والملف المتعلق بالتجارب النووية في الصحراء الجزائرية من أجل تقييم حجم الأضرار وجبرها.
وأكدت سيغولان روايال أنها ستنقل هذه المطالب إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فور عودتها، لحثه على التحرك في هذا الاتجاه، مذكّرة بأنه سبق له أن التزم بذلك في بداية عهدته.
واستشهدت في تصريحاتها بقول الأمير عبد القادر: “الإنسان عظيم بعلمه، ونبيل بأفعاله»، داعية إلى إعادة الممتلكات التي تعود للشعب الجزائري، كما ختمت باقتباس للقديس أوغسطين، المولود في الجزائر، جاء فيه: «الحقيقة مثل الأسد، اتركها حرة، فهي تدافع عن نفسها بنفسها»، داعية إلى تحرير حقيقة الماضي وبناء علاقة جديدة على أساس الندية والمشاريع المشتركة.
وتأتي زيارة المسؤولة الفرنسية بدعوة من الغرفة الجزائرية للتجارة والصناعة، حيث أجرت عدة لقاءات مع رجال أعمال وصناعيين ومستثمرين من الجانبين في الجزائر، وكان لها لقاء بارز مع كمال مولى رئيس مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري المعروف بقربه من أوساط القرار في البلاد.
وتعد سيغولان روايال، المرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية الفرنسية سنة 2007، من بين الأصوات السياسية الفرنسية التي تدعو إلى إنهاء الأزمة المتواصلة بين الجزائر وفرنسا منذ صيف 2024. وسبق للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أن أشار في حوار سابق مع صحيفة فرنسية، إلى سيغولان روايال ضمن قائمة شخصيات سياسية فرنسية تحظى بصورة إيجابية في الجزائر.
وكانت روايال قد عرضت، في أول مواقفها بعد توليها جمعية الجزائر فرنسا، تصورا للخروج من الأزمة، يقوم أساسا على معالجة جذرية لملف الذاكرة، من خلال جملة مقترحات، من بينها إعادة الأرشيف والقطع والممتلكات التي أُخذت من الجزائر خلال الفترة الاستعمارية. كما شددت روايال في مقاربتها على ضرورة “هدم الجدران وبناء جسور المعرفة والاحترام عبر الحوار”، خاصة بين الطلبة ورجال الأعمال والباحثين والفنانين والمبدعين، معتبرة أن هذا المسار كفيل بإرساء علاقات أكثر توازنا واستدامة.
وجاءت زيارة روايال التي لا تملك منصبا رسميا في فرنسا، في سياق فصل جديد من التوتر أشعله التحقيق التلفزيوني الذي بثته قناة فرانس 2 العمومية الفرنسية، والذي فجّر موجة واسعة من ردود الفعل الرسمية والسياسية في الجزائر، إلى درجة إعلان السفير الفرنسي في الجزائر “شخصا غير مرغوب فيه”، إلى جانب تلويح صحف جزائرية مقربة من الرئاسة بالوصول إلى مستوى القطيعة بين البلدين.

تعليقات الزوار
لا تعليقات