أخبار عاجلة

هل يصلح الحل الأمازيغي للحالة الكردية في سوريا؟

استمعت باهتمام كبير لكلمة الرئيس السوري أحمد الشرع المقتضبة، وهو يتكلم عن المبادرة القانونية التي أطلقها لحل الإشكال الكردي القديم في سوريا، تحت وقع الرصاص والمعارك التي يعيشها الكثير من المناطق السورية، في بلد لم يعرف الهدوء منذ عقود، كما يبينه ما يحصل في منطقة الساحل والجنوب، بكل ما يميزهما من خصوصية وصلت حد المطالبة بالانفصال، كما هو الحال مع بعض أبناء المذهب الدرزي.
مبادرة قانونية جاءت بعد عدة شهور من الاتفاق المعلق مع «قسد»، كبداية حل لإشكال سياسي وثقافي قديم عانت منه سوريا، يتعلق بالاعتراف بحقوق المواطنين الاكراد السياسية والثقافية واللغوية، في هذا البلد الذي اكتوى لعقود بنار الإقصاء السياسي من قبل النظام السوري البعثي البغيض، بطابعه الطائفي، الذي عانى منه تاريخيا الشعب السوري بكامل مناطقه ومكوناته، على أكثر من صعيد سياسي وثقافي، وصل لحد إنكار الخصوصيات الثقافية، وتلك المتعلقة بالهوية الجماعية للمكون الكردي.
ما اثار انتباهي في كلمة الرئيس السوري، لا يتعلق فقط بتوقيت الإعلان عن هذه المبادرة، من طرف واحد، التي تأخرت لأكثر من سنة بعد التخلص من نظام بشار الأسد، في تزامن مع أحداث العنف التي تعيشها مدينة حلب، بعد الانسداد الذي وصله الاتفاق مع ممثلي المكون الكردي، تشبه المقاربة السورية الرسمية المعلن عنها، مع ما حصل عندنا في المنطقة المغاربية، في التعامل مع مطالب الحركة الأمازيغية الذي طال هو الآخر، نتيجة المواقف المعادية، التي اتخذنها النخب السياسية والثقافية المسيطرة على الدولة الوطنية، عقودا بعد الإعلان عن الاستقلال. مبادرة انطلقت هي الأخرى من الغطاء القانوني والدستوري الذي تم الاعتراف داخله بالطابع الوطني للغة الأمازيغية، وترسيمها على دفعات، وليس مرة واحدة كما حصل في الحالة الجزائرية، على سبيل المثال، تحت وقع الضغط الذي قامت به الحركة الأمازيغية، خلال محطات تاريخية عديدة بعد الاستقلال. حركة حافظت على طابعها السلمي ـ عكس الحالة الكردية – منذ بداية ظهورها اثناء الحركة الوطنية، بكل ما ميزها من تأطير نخبوي، قامت بدور أساسي داخله النخبة القبائلية على وجه الخصوص. عكس تلك النخب المعربة والدينية المحافظة المتأثرة بالفكرة القومية العروبية، ذات المنشأ المشرقي، التي اتخذت مواقف معادية لهذا المطلب بحجج كثيرة.

اقتراح قدمه الرئيس السوري المؤقت، قبل المصادقة على الدستور، تحت ضغط الحالة الأمنية حسبما يظهر، اعترف فيه بالعيد الوطني الكردي (النيروز) وباللغة الكردية التي تم السماح بتدريسها في المناطق ذات الكثافة الديموغرافية الكردية. مع اقتراح منح الجنسية السورية للمقيمين داخل البلد من أبناء الشعب الكردي، الذين منعت عنهم الجنسية السورية في ظل النظام السابق، كانوا معرضين فيه للعيش في حالة هشاشة قانونية، بكل تبعاتها الاجتماعية والاقتصادية، ليتم التذكير في هذه المبادرة ببعض المبادئ العامة، على غرار أن المواطنين الكرد يعدون جزءا أساسيا وأصيلا من الشعب السوري. تعد هويتهم اللغوية والثقافية جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة. ليعترف هذا التصريح بحماية الدولة السورية للتنوع الثقافي واللغوي، التي تضمن حق المواطنين السوريين الكرد في إحياء تراثهم وفنونهم ولغتهم الأم.
مبادئ تم الدوس عليها لعقود من قبل نظام آل الأسد، بتواطؤ أجزاء مهمة من النخب السياسية الثقافية السورية المعادية للتنوع والاختلاف، من أبناء مختلف المناطق والطوائف، في مجتمع عرف تاريخيا بتنوعه الثقافي- اللغوي، الديني والطائفي. لم يمنعه من التعايش مع بعضه بعضا، كما عبر عن نفسه عبر مؤسسة الزواج والجيرة والعيش المشترك في الحواضر الكبرى والمتوسطة، التي عرفت بها بلاد الشام، قبل الانكسار الذي حصل في هذا البناء الوطني، الذي عبرت عنه تلك السيطرة التي فرضتها نخب يعقوبية ذات تنشئة عسكرية، ومنبت ريفي طائفي فقير، تحكمت في مقاليد الدولة الوطنية ومؤسساتها المركزية المتمثلة في الجيش، سمح لها بفرض سيطرتها على المدينة السورية، دون التمكن من فرض هيمنتها عليها.
تجربة سوريا تتم في وضع دولي مأزوم، تلعب فيه إسرائيل دورا تخريبيا، ازداد في الفترة الأخيرة.. ودول جوار تسيطر داخلها عصبيات وطنية معادية لهذا المكون الكردي الحاضر في بلدانها، كما هو الحال في تركيا إيران والعراق، الذي قد تخطئ النخب السورية إذا حاولت تقليد الحل الذي طبق فيه ـ لم يكن أحسن المتاح – دون الأخذ بعين الاعتبار ما ميز كل حالة وطنية من خصوصيات، ونحن نقارن الحالة الكردية في سوريا، بالمسار الذي أخذته المسألة الأمازيغية في المنطقة المغاربية.
التي سنركز فيها على الحالة الجزائرية، بما قامت به وما لم تنجح في القيام به، مقارنة مع الحالة الكردية، التي لا يحب الكثير من الجزائريين مقارنة حالتهم الوطنية معها، ارتبطت في أذهانهم بالتدخلات الأجنبية، التي رفضوها عندهم، بكم العنف المسلح التي ارتبط بها وهم ينظرون إلى هذه الحالة، التي لا يعرفون عنها الكثير في كل تجلياتها الوطنية العراقية والسورية والتركية. تجربة جزائرية تبين بشكل واضح أن موقف الدولة الوطنية يبقى مركزيا في حل هذا الإشكال اللغوي – الثقافي بكل أبعاده السياسية الحاضرة، يتطلب أول ما يتطلب توافقا بين النخب بمختلف مكوناتها لإبعاد المؤسسات الوطنية، مما يمكن أن يصيبها من تأثيرات سلبية، وهي تتقدم لحل هذا الإشكالات المتراكمة بكل أبعادها التاريخية والسوسيولوجية. على رأس هذه المؤسسات التي يجب أن تضطلع بدور مركزي، المؤسسة العسكرية، التي يبقى احتكارها للسلاح ووحدتها مسألة، يجب عدم المساومة عليها مهما كان الظرف. عبر قرارات شجاعة تخرج البلد من حالة الركود بما تولده من انتكاسات، من الضروري أن تبقى صامدة في وجه التدخلات الأجنبية الضارة، في وقت قد تعيش فيه حالة اضطراب مؤقت. في انتظار النتائج التي لن تكون حاضرة على المدى القصير، لتقوم مؤسسات التنشئة الاجتماعية الأخرى، كالمدرسة بمرافقة هذه الحلول، التي تتطلب حوارا وطنيا صادقا عبر منظومة إعلامية حرفية، لا تتهرب من طرح القضايا الحساسة داخلها، بكل التراكمات التي عرفتها عبر التاريخ، كمسألة التسميات التي تطلق على الدولة ومؤسساتها المركزية، على غرار الجيش السوري الذي يصعب دعوة المواطنين الكرد- أو أي مكون مجتمعي آخر – للانضمام له وهو بهذه التسمية التي لا تراعي التنوع المجتمعي، يمكن الاقتصار فيها على اسم البلد سوريا الجامع – وهو ما يتطلب من السوريين تجنيد ذكائهم الجماعي عبر التنظيمات الاجتماعية المختلفة، مثل الأحزاب والنقابات والجمعيات، التي يجب أن لا تنتظر حلولا تعجيزية ونقية في مثل هذه المسائل، التي تبقى في حاجة إلى توافقات واسعة لا تترك على الهامش أي قوى يمكن أن تسرع – أو تعطل إنجاز هذا المسعى التاريخي.

ناصر جابي

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات