وجد المسجد الكبير بباريس نفسه في قلب معركة جديدة مع الأوساط الصهيونية ووسائل الإعلام المحسوبة على اليمين المتطرف في فرنسا، بعد محاضرة للمؤرخ غابرييل سولييكا عقد فيها، في سياق حديث، مقارنة بين أعداد ضحايا حرب التحرير الجزائرية وبين المحرقة اليهودية “الهولوكست”.
وفي بيان له، أعرب المسجد الكبير بباريس عن بالغ استغرابه واستنكاره لما وصفه بـ“الحملة الإعلامية الجديدة” التي تقودها بعض وسائل الإعلام المعروفة بعدائها للمسلمين، متهمة المؤسسة الدينية بالقيام بدور “الناقل لأطروحات معاداة للسامية وإنكار المحرقة”.
ويأتي الجدل على خلفية مقطع مقتطع من محاضرة للكاتب والمؤرخ غابرييل سولييكا، نُظّمت وبُثت مباشرة عبر منصة “يوتيوب” يوم 19 نوفمبر 2025. وفي حديثه، عقد المؤرخ مقارنة عددية بين ضحايا حرب التحرير الجزائرية وضحايا المحرقة النازية، حين قال إن 1.5 مليون جزائري قضوا خلال “حرب استمرت ثماني سنوات، وهي الأطول في القرن العشرين”، مضيفا أن هذا الرقم “يفوق المليون ضحية من اليهود الذين يُشار إليهم باستمرار”. وقد اعتبرت بعض الوسائل الإعلامية المحسوبة على اليمين، هذا الطرح تقليلا من حجم المحرقة.
وفي توضيحه، أكد بيان المسجد الذي نُشر على موقعه الرسمي، أن هذه الاتهامات استندت إلى تأويل مغلوط لتصريح ورد خلال المحاضرة، معتبرا أن الزج بالمؤسسة في هذا الجدل يندرج ضمن محاولات متكررة للنيل من صورتها ودورها في تمثيل والدفاع عن مواطنة المسلمين في فرنسا.
كما أشار البيان إلى أن غابرييل سولييكا نشر، يوم الثلاثاء 20 يناير 2026، مقطع فيديو وبيانا توضيحيا اعترف فيه بارتكابه “خطأ في التعبير” عند الإشارة إلى رقم يتعلق بعدد ضحايا معسكر أوشفيتز، مؤكدا أن حديثه عن “مليون قتيل” كان غير دقيق. وشدد سولييكا على أن الهولوكوست “إبادة جماعية راح ضحيتها ستة ملايين يهودي”، مؤكدا أن أي محاولة للتقليل أو التشكيك أو الإنكار “مرفوضة أخلاقيا وتاريخيا”، وأضاف أنه لم ينكر أو يقلل أو يوازن يوما بين معاناة الضحايا.
وذكر المسجد الكبير بباريس أنه سيقوم بالإشارة إلى هذا الخطأ في وصف الفيديو المعني، مذكّرا بأن الكاتب سبق أن دُعي في مايو 2024 لإلقاء محاضرة أولى بالمؤسسة، خصصت لتقديم روايته “سارقو الأرواح”، التي تروي قصة امرأة يهودية رُحّلت إلى معسكر الإبادة أوشفيتز.
وجدد البيان موقف المسجد “الثابت” الرافض لمعاداة السامية، معتبرا أنها تتعارض جوهريا مع تعاليم الإسلام وقيمه، مع التأكيد أن المؤسسة كانت ولا تزال في طليعة المدافعين عن مكافحة الكراهية والعنصرية بكل أشكالهما. واستحضر في هذا الإطار، الإرث التاريخي لمؤسس المسجد سي قدور بن غبريط، في إنقاذ عدد معتبر من اليهود خلال فترة الاحتلال النازي، مؤكدا أن هذا التاريخ يشكل مصدر فخر دائم للمؤسسة. وختم البيان بالتأكيد على أن المسجد سيواصل العمل من أجل تعزيز قيم الأخوة والتماسك الوطني، مهما تكررت محاولات التشويش والاستهداف.
ويواجه مسجد باريس الذي تربطه علاقة قوية مع الجزائر التي تمول جزءا من نشاطاته، انتقادات من قبل أوساط يمينية خاصة في ظل تدهور العلاقات الجزائرية الفرنسية في السنوات الأخيرة.
وكان عميد مسجد باريس قد ندد مؤخرا بتنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا في فرنسا، خاصة عقب الجدل الذي أثاره أحد استطلاعات الرأي حول المسلمين في فرنسا (أنجزته مؤسسة إيفوب). كما انتقد وسائل الإعلام المملوكة لرجل الأعمال فانسان بولوري التي تبث مواداً حول المسلمين في فرنسا باستمرار.
وانتقد العميد طريقة طرح بعض الأسئلة المتعلقة بالممارسة الدينية، معتبرا أنها تعكس جهلا بخصوصيات الإسلام وبحياة المسلمين اليومية. وتأسف في تصريحات له على قناة “الخبر” من التعتيم الذي ساد نتائج الاستطلاع الذي شارك فيه المسجد، والذي أظهر أن 82 بالمائة من الشباب المسلمين يشعرون بولاء كامل لفرنسا، لصالح التركيز على نتائج أخرى تخدم أجندات المتطرفين.

تعليقات الزوار
لا تعليقات