صوّت مجلس الأمة الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان) لصالح إعادة النظر في مسألتي الاعتذار والتعويض الواردتين في قانون تجريم الاستعمار الفرنسي مع تثبيت مطلب الاعتراف، وذلك بعد تقرير مفصل أعدّته لجنة الدفاع الوطني بالمجلس حول نص القانون الوارد إليها من الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري.
وأوضح تقرير لجنة الدفاع الوطني التكميلي أن مطلب الاعتراف بالجرائم الاستعمارية لا يعد منّة أو تفضلا، بل هو التزام قانوني وأخلاقي وحقوقي، وحق ثابت للشهداء، ولذويهم من الأرامل والأيتام، وللمجاهدين الأحياء، ولكل ضحايا النفي والتهجير والتجريد من الحقوق.
واعتبرت أن هذا الاعتراف يمثل التعبير الأسمى عن العدالة التاريخية والإنصاف وجبر الضرر، لا سيما في بعده المعنوي والرمزي، الذي يظل أعمق أثرا وأبقى قيمة من أي تعويض مادي، وأكثر ارتباطا بحفظ الكرامة الوطنية والذاكرة الجماعية.
غير أن لجنة الدفاع الوطني، وبعد تقييمها لقابلية النص للتفعيل و”مدى انسجامه مع المصالح العليا للدولة”، رأت “أن قوة النصوص القانونية لا تقاس فقط بجودة مقاصدها ونبل أهدافها، وإنما أيضا بمدى انسجامها مع التوجهات السيادية للدولة.”
وفي هذا الإطار، شددت اللجنة على ضرورة حصرية المطلب المتعلق بالاعتراف الصريح بحقيقة الجريمة الاستعمارية دون لبس أو غموض أو التباس، وبما يضمن وضوح القاعدة القانونية في تحميل المسؤولية القانونية والأخلاقية والتاريخية للمنظومة الاستعمارية، وفقا لمقتضيات الحق والعدالة التاريخية.
كما أبدت تحفظها على عدد من مواده، ودعت إلى عدم المصادقة عليه بصيغته الحالية، قصد إعادة النظر فيها ومراجعة أحكامها، لا سيما المواد المتعلقة بمسألتي التعويض والاعتذار، معتبرة أن هاتين المسألتين لا تنسجمان، في صيغتهما الحالية، مع توجه الدولة.
وأحالت هنا إلى “الموقف الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، والقائم على المطالبة بالاعتراف بالجريمة الاستعمارية في إطار سياسي سيادي واضح، ومع الإطار التشريعي المنظم لهذا التوجه”.
كما رأت اللجنة أن بعض أحكام النص تستدعي إعادة ضبط وترتيب من حيث الصياغة والمضمون، من خلال إدراج جملة من التحسينات والتصويبات الكفيلة بتعزيز جودة التشريع وضمان تماسك النص وحصافته، بما يكرس فعاليته القانونية والمؤسساتية.
وشملت التحفظات وفق التقرير كل من المادة 1 و5، و7، و9، و10، و15، و16، و17، و18، و20، إضافة إلى المواد 25 و26. ودعت اللجنة إلى مراجعتها بما يحقق الانسجام الكامل بين الأهداف المعلنة للنص ومحتواه القانوني، ويعزز موقعه كتشريع سيادي يعالج ملف الذاكرة الوطنية ضمن منطق الدولة والقانون.
وكان النص الذي أحيل من المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان) يشير في مادته التاسعة إلى أن “الدولة الجزائرية تسعى بكل الوسائل و الآليات القانونية والقضائية، في اطار يضمن الاعتراف والاعتذار الرسميين من طرف دولة فرنسا عن ماضيها الاستعماري”.
أما المادة 10، فتنص على ما يلي: “يعتبر التعويض الشامل والمنصف ، عن كافة الأضرار المادية والمعنوية التي خلفها الاستعمار الفرنسي، حقا ثابتا للدولة والشعب الجزائري”.
وعدا ذلك، يتضمن في مادته الأولى الإطار المبدئي للقانون، من خلال التأكيد على أن الجزائر، استنادا إلى تضحيات شعبها وتمسكه بوحدته الوطنية وهويته الثقافية، تناهض الاستعمار بكل أشكاله وتدين ممارساته، وتلتزم بدعم الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى تصفيته.
أما المادة 3 فتمنح توصيفا قانونيا صريحا للاستعمار الفرنسي باعتباره “جريمة دولة”، وهو توصيف يحمل أبعادا قانونية وسياسية، لأنه يربط الانتهاكات بمسؤولية كيان سيادي، لا بأفعال معزولة. وتنسجم هذه المادة مع المادة 4 التي تلزم الدولة الجزائرية بالعمل على كشف الحقائق التاريخية المرتبطة بالاستعمار ونشرها، في تأكيد على مركزية الذاكرة والتوثيق في مقاربة هذا الملف.
ويُعد الفصل الخاص بجرائم الاستعمار من أكثر فصول المشروع تفصيلا، حيث تسرد المادة 5 قائمة واسعة من الأفعال التي تُصنّف كجرائم، بدءا من القتل العمد والهجمات العسكرية ضد المدنيين، وصولا إلى الاستخدام المفرط للقوة والأسلحة المحرمة دوليا، بما فيها زرع الألغام والتجارب النووية. ويبرز في هذا السياق إدراج التفجيرات النووية ضمن الجرائم، مع ما تحمله من أبعاد إنسانية وبيئية طويلة الأمد، وهو ما ينسجم مع الإشارة لاحقا إلى ضرورة تنظيف المواقع الملوثة وتعويض الضحايا.
ولا تقتصر المادة نفسها على الجرائم العسكرية، بل تمتد إلى الجرائم الاقتصادية والاجتماعية، مثل السطو على خزينة الدولة، والنهب الممنهج للثروات، ومصادرة الممتلكات، وفرض القوانين الاستثنائية على الجزائريين دون غيرهم. كما تسجل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، من تعذيب جسدي ونفسي، وتمييز عنصري، وحرمان متعمد من الحقوق الأساسية، والنفي والترحيل القسري، والاختطاف والإخفاء القسري، والاحتجاز خارج الأطر القانونية.
وتولي المادة 5 اهتماما خاصا بالانتهاكات الثقافية والدينية، من خلال تجريم تدنيس دور العبادة، والتنصير القسري، ومحاولات طمس الهوية الوطنية، إضافة إلى الاعتداء على حرمة الموتى والتنكيل برفاتهم، وهو ما يعكس شمولية المقاربة التي لا تحصر الجريمة في بعدها المادي فقط. وتُضاف إلى ذلك ممارسات مثل التجنيد الإجباري، وإنشاء محاكم خاصة دون ضمانات، واستخدام المدنيين كدروع بشرية.
وتأتي المادة 6 لتؤكد مبدأ عدم التقادم، حيث تنص صراحة على أن جرائم الاستعمار لا تسقط بالتقادم، بغض النظر عن صفة مرتكبيها أو أدوارهم، سواء كانوا فاعلين أصليين أو شركاء أو محرضين أو منفذين لأوامر صادرة عن سلطات استعمارية. ويمنح هذا النص للقانون بعدا ردعيا وتاريخيا، باعتبار أن مرور الزمن لا يلغي المسؤولية. وتكمل المادة 7 هذا التوجه بتجريم كل صور التعاون مع السلطات الاستعمارية، واعتبارها خيانة عظمى، في سياق يربط بين الذاكرة الوطنية والمساءلة القانونية.
وتفصّل المادة 11 مطالب محددة، من بينها تنظيف مواقع التفجيرات النووية، وتسليم خرائطها وخرائط الألغام، وتعويض الضحايا وذوي حقوقهم. وتُكمل المواد 12 و13 و14 هذا المسار، من خلال النص على استرجاع الأموال المنهوبة، والقيم المادية والمعنوية، والأرشيف الوطني، إضافة إلى رفات رموز المقاومة والحركة الوطنية والثورة التحريرية.
أما الفصل الجزائي، فيربط بين حماية الذاكرة وتجريم الممارسات التي تمس بها. فالمادتان 16 و17 تعرّفان تمجيد الاستعمار والترويج له، سواء عبر القول أو الفعل أو النشر أو النشاط الإعلامي والأكاديمي. وتحدد المواد 18 و21 عقوبات سالبة للحرية وغرامات مالية، مع تشديدها في حالات العود. كما تخصص المادة 19 عقوبات لتجريم الإشادة بالحركى أو تبرير تعاونهم مع الاستعمار.
وينتظر بعد التحفظ على النص، إحالة المواد الإشكالية إلى آلية اللجنة المتساوية الأعضاء بين غرفتي البرلمان، لإعادة صياغتها من جديد، في وقت ينتظر أن يثير هذا التحفظ ردود فعل خاصة من الأحزاب التي سبق لها التمسك بمطلب الاعتذار والتعويض في القانون.

تعليقات الزوار
لا تعليقات