باشر الوزير الأول الجديد في الجزائر، سيفي غريب، مهامه في قصر الحكومة بالجزائر العاصمة، خلفا لنذير العرباوي، وسط تساؤلات حول طبيعة مهمته التي لا يُعلم لحد الآن، إن كانت مؤقتة لأنه عُيّن “بالنيابة” أم سيجري تثبيته لاحقا. وولّدت هذه الزاوية جدلا بين مختصين، حيث رأى البعض أنه لا يوجد سند دستوري لتعيين وزير أول بالنيابة، في حين ثمة من قال إن اللفظ تفسيري فقط ولا يعني استحداث منصب جديد.
بدا التعديل الحكومي الذي أجراه الرئيس الجزائري يوم الخميس مفاجئا، إذ لم تسبقه أي إشارات أو تسريبات، ما جعل كثيرين يربطونه بفاجعة سقوط حافلة في وادي الحراش وما كشفت عنه من اختلالات كان لا بد معها من إجراء تغيير واسع. وخلال مراسيم تسليم واستلام المهام، أكد الوزير الأول الجديد في تصريح مقتضب، سعيه لتنفيذ برنامج الرئيس، مبرزا أن الكثير من الملفات تنتظره مع بداية الدخول الاجتماعي الذي يكون مصحوبا في العادة بانشغالات العمال والمهنيين وتطرح فيه قضايا القدرة الشرائية ومختلف المطالب الاجتماعية.
وعلى الرغم من أن المرسوم الذي وقعه الرئيس نصّ على تعيين سيفي غريب وزيرًا أول بالنيابة، إلا إن طريقة تقديم الوزير الأول من خلال مراسم رسمية وتصريحات إعلامية، أظهرت أن الأمر يتجاوز مجرد تكليف عابر بتسيير الشؤون اليومية للحكومة، ليبدو وكأنه بداية مرحلة قد تنتهي بتثبيت الرجل في المنصب.
وما يدعم ذلك وفق متابعين، هي تغطية التلفزيون العمومي، الذي خصّص بورتريه مطولًا لمسار سيفي غريب وهو وزير الصناعة في حكومة العرباوي، تضمن إشادة كبيرة بمشواره العلمي ومسؤولياته السابقة، حيث أبرز كفاءته الأكاديمية وخبرته في التسيير الصناعي والاقتصادي، وهو ما اعتُبر إشارة على أنه باق في المنصب، خاصة أنه قُدم كوزير أول كامل الصلاحيات، وليس كمسؤول مكلّف بتصريف الأعمال.
ولم يكد سيفي غريب يباشر مهامه حتى شارك في أول اجتماع ترأسه الرئيس عبد المجيد تبون، خُصص لقطاع التجارة وضبط السوق الوطنية. الاجتماع عرف حضور كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين، من بينهم الفريق أول السعيد شنقريحة، وزير الدولة محمد عرقاب، وعدد من الوزراء والمستشارين ومديري المؤسسات الاستراتيجية كالديوان الوطني للحبوب ومجمع صيدال الدوائي. وقد شدد الرئيس تبون، في توجيهاته، على ضرورة ضمان التموين المنتظم للسوق الوطنية وتفادي أي ندرة في المواد واسعة الاستهلاك، مبرزًا أهمية الصرامة في مكافحة المضاربة والاحتيال، مع الإشادة بنزاهة المتعاملين الاقتصاديين والفلاحين ودورهم في مرافقة جهود الدولة.
وعلى مواقع التواصل ومنتديات النقاش، لم يخل هذا التعيين الجديد، من جدل قانوني وسياسي. فقد أثار عدد من النواب والسياسيين إشكالية الصيغة التي اعتمدها الرئيس في تعيين “وزير أول بالنيابة”، وهو منصب غير منصوص عليه صراحة في دستور 2020.
وفي تدوينة لها، كتبت المحامية فتيحة رويبي عن “إشكالية الوزير الأول بالنيابة”، معتبرة أن الحكومة كيان واحد لا يمكن أن يُدار برأس مؤقت. ورأت أن استحداث هذا الوصف يمثل سابقة سياسية لا أساس دستوري لها، ما قد يفتح الباب أمام تأويلات توسعية لصلاحيات السلطة التنفيذية. واعتبرت أن تعيين وزير أول بالنيابة يمس بمبدأ الشرعية الدستورية، مؤكدة أن احترام النصوص واجب لا يجوز تجاوزه.
أما المحامي عبد الله هبول، فذهب في الاتجاه نفسه، مؤكدا أن إنهاء مهام الوزير الأول يترتب عنه قانونا إنهاء مهام جميع أعضاء الحكومة، وأن الدستور لم يذكر إطلاقا وجود وزير أول بالنيابة. بينما طرح النائب عبد الوهاب يعقوبي تساؤلات عملية أمام زملائه النواب حول من سيقدم مخطط عمل الحكومة، المنصوص عليه في المادة 106 من الدستور، ومن سيعرض بيان السياسة العامة وفق المادة 111.
بالمقابل، أكد النائب عن الأغلبية الرئاسية أحمد ربحي أن الرئيس مارس صلاحياته الدستورية في إنهاء مهام الوزير الأول وتعيين خلف له. ومع أنه أشار إلى أن صفة “بالنيابة” غير واردة في النصوص الدستورية، إلا أنه أكد أنها مجرد صيغة مؤقتة في انتظار تثبيت الوزير الأول الجديد أو إجراء تعديل حكومي أوسع. وأوضح ربحي أن الحكومة، وفق الدستور، ليست معزولة عن برنامج رئيس الجمهورية الذي زكاه الشعب، غير أن مسألة عرض بيان السياسة العامة تبقى قائمة، لكون المادة 111 تلزم الوزير الأول بتقديمه سنويًا أمام البرلمان.
وترافق هذا الجدل القانوني مع تحليلات سياسية حول طبيعة منصب الوزير الأول في النظام السياسي الجزائري. وأكد الصحافي نجيب بلحيمر في هذا الشأن، أن المرور الصامت للعرباوي على منصب الوزير الأول يعكس هامشية المنصب، مشيرًا إلى أن القضية تتجاوز الأشخاص لتصل إلى هندسة الحكم نفسها.
من جهته، أوضح المدون مصطفى خواص، أن السبب الجوهري لخلق منصب الوزير الأول في الدستور الجزائري كان منع ظهور رئيس حكومة مستقل، يملك سلطة وشرعية برلمانية قد تنافس سلطة رئيس الجمهورية. وأضاف أن السلطة السياسية في الجزائر بُنيت على أساس رئاسي مهيمن، حيث تتمركز كل القرارات في يد الرئيس، وتم استحداث الوزير الأول ليكون مجرد وسيط إداري ينفذ أوامر الرئيس ويشرف على تسيير عمل الحكومة، دون أن يمتلك استقلالية في رسم السياسات أو تشكيل الفريق الوزاري.
ويُسجَّل هنا، أن جميع من تولوا منصب الوزير الأول في عهد الرئيس تبون لم يستمروا أكثر من عامين، بدءًا بعبد العزيز جراد، ثم أيمن بن عبد الرحمن، وأخيرًا العرباوي.
تعليقات الزوار
لا تعليقات