يستمر الجدل السياسي في ليبيا حول إدارة المؤسسات السيادية والمسار الانتخابي، في ظل تصاعد الخلافات داخل مجلس النواب نفسه، واحتدام الصراع مع المجلس الأعلى للدولة بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وهي أزمة باتت تعكس عمق الانقسام المؤسسي، وتكشف حجم التداخل بين الخلافات القانونية والحسابات السياسية، في وقت تتراجع فيه فرص التوافق على خريطة طريق تقود إلى انتخابات طال انتظارها.
في هذا السياق، نفى رئيس مجلس النواب عقيلة صالح صحة الاتهامات الموجهة إليه بشأن تفرده باتخاذ القرارات داخل المجلس، مؤكداً أنه لم ينفرد سوى بما يخص صلاحياته المحددة كرئيس، بينما لم يتخذ أي قرارات منفردة تتعلق بعمل مجلس النواب كسلطة تشريعية، وفق تعبيره.
وجاءت تصريحات صالح خلال لقاء مع تلفزيون المسار المحلي، رداً على مطالبات نائبيه في رئاسة المجلس فوزي النويري ومصباح دومة بعدم الانفراد باتخاذ القرار، حيث وصف هذه الاتهامات بأنها «غير صحيحة» وتعكس «عدم فهم» لطبيعة توزيع الاختصاصات داخل المؤسسة التشريعية.
وأوضح صالح أن قانون مجلس النواب حدد بوضوح صلاحيات كل من الرئيس والنائبين الأول والثاني، مشدداً على أن رئيس المجلس هو من يوقع القوانين والقرارات والرسائل الصادرة عن اللجان، ويمثل المجلس أمام القضاء وفي الداخل والخارج، في حين تقتصر صلاحيات النائبين على الإشراف على عمل اللجان والحلول محل الرئيس في حال غيابه.
ويعود هذا الخلاف إلى منتصف نوفمبر الماضي، حين شهد مجلس النواب توتراً داخلياً على خلفية مراسلة رسمية بعث بها النويري ودومة إلى رئيس المجلس، اعترضا فيها على ما وصفاه بتفرد رئيس البرلمان باتخاذ قرارات تتعلق بمناصب تقع ضمن اختصاص المجلس مجتمعًا، مطالبين باحترام العمل الجماعي والآليات القانونية المعتمدة في إدارة شؤون البرلمان.
ورد عقيلة صالح حينها بوثيقة رسمية مقتضبة وصف فيها اعتراض نائبيه بأنه «تحفظ غير ذي صفة»، وهو ما قوبل برسالة ثانية من النويري ودومة انتقدا فيها أسلوب تعاطيه مع ملاحظاتهما، معتبرين أن هذا الرد لا ينسجم مع قواعد العمل المؤسسي، ولا يعكس التزاماً حقيقياً بأحكام القانون أو بروح المسؤولية العامة.
وفي موازاة الخلاف الداخلي، صعّد رئيس مجلس النواب لهجته تجاه المجلس الأعلى للدولة، مهاجماً رئيسه محمد تكالة، معتبراً أنه «لا يريد الخروج من الأوضاع التي تعاني منها ليبيا»، ومرجعاً مواقفه إلى علاقته الوثيقة بحكومة الوحدة الوطنية.
كما اتهم صالح رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بالوقوف وراء تعثر أي اتفاق بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، قائلاً إن الحكومة تتحكم في كل من المجلس الرئاسي ومجلس الدولة، وتعمل على تعقيد المشهد السياسي وتعطيل الانتخابات، وفق وصفه.
وكشف صالح عن أسباب إعراضه عن لقاء تكالة في باريس، موضحاً أنه لا يرى فائدة من الاجتماع به، مستعيداً واقعة سابقة في القاهرة امتنع فيها تكالة عن لقائه رغم وجود اتفاق مسبق، معتبراً ما حدث «عيباً وإهانة شخصية».
وفيما يتعلق بملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، قال عقيلة صالح إن الغرض من إعادة تشكيل مجلس إدارتها هو تعطيل الانتخابات، باعتبار أن المفوضية تمثل مدخلاً للخلاف حول المناصب السيادية بوجه عام، مشدداً على أنه لا يوجد حتى الآن سبب مقنع لتغيير رئيس المفوضية عماد السايح.
وأكد صالح أن موقفه لا يأتي دفاعاً عن شخص السايح، بل عن المؤسسات الموحدة، معتبراً أن المفوضية أثبتت كفاءة واضحة، ونجحت في تنظيم الانتخابات البلدية خلال العام الماضي، محذراً من أن أي مساس باستقرارها قد يهدد فرص إجراء الانتخابات المقبلة.
وفي هذا السياق، رأى رئيس مجلس النواب أن «لا أحد في ليبيا يريد الانتخابات»، لأنها ستسحب من الجميع مناصبهم، متهما مختلف الأطراف السياسية بالاستفادة من الانقسام والفوضى القائمة.
وفي خلفية هذا التصعيد، كانت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قد أعربت، في بيان سابق، عن قلقها إزاء تصاعد التوتر بين مجلسي النواب والأعلى للدولة بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، محذرة من أن الإجراءات المتبادلة قد تفتح فصلاً جديداً من الانقسام المؤسسي، وتؤثر سلباً على عمل المفوضية ومستقبل العملية الانتخابية.
وأكدت البعثة حينها أن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تعد من بين المؤسسات القليلة التي حافظت على وحدتها وكفاءتها الفنية، مجددة استعدادها لدعم المجلسين للتوصل إلى حل توافقي، ومشددة على استمرار عملها مع مجلس المفوضية الحالي للمضي قدماً نحو انتخابات رئاسية وتشريعية ضمن إطار قابل للتنفيذ.
وجاء هذا الموقف الأممي عقب تصويت المجلس الأعلى للدولة على اختيار صلاح الكميشي رئيساً لمجلس إدارة المفوضية، في خطوة عمّقت الانقسام بين المؤسستين، وأعادت إلى الواجهة إشكالية الصلاحيات وحدود التدخل السياسي في عمل الهيئات السيادية.
عقيلة صالح ينفي التفرد بالقرار ويصعّد هجومه على مجلس الدولة

تعليقات الزوار
لا تعليقات