أخبار عاجلة

الغزواني يفتح نقاشاً أولياً مع معارضيه بهدف بناء الثقة

في خطوة وُصفت بالتمهيدية لحوار سياسي طال انتظاره، أطلق الرئيس محمد ولد الغزواني مشاورات مع مجموعة من قادة وممثلي أحزاب من المعارضة، فاتحًا باب النقاش حول حوار سياسي يُراد له أن يؤسس لمرحلة جديدة من التعاطي بين السلطة ومعارضيها.
وجمع اللقاء الرئيس محمد ولد الغزواني بقادة المعارضة المتشددة وهم صمب اتيام رئيس حزب تحالف قوى التغيير، ونور الدين محمدو رئيس حزب موريتانيا إلى الأمام، ولو غورمو عبدول نائب رئيس اتحاد قوى التقدم، والنانه بنت شيخنا نائبة رئيس حزب اتحاد قوى التغيير، والساموري ولد بي، رئيس حركة «الحر».
وحمل اللقاء في رمزيته رسائل تهدئة وبحث عن أرضية مشتركة، وأعاد إلى الواجهة أسئلة الثقة المتبادلة، وجدوى الحوار، وحدود ما يمكن أن يقدمه هذا المسار في ظل تراكمات سياسية ومؤسسية لا تزال تُثقل المشهد الديمقراطي في البلاد.
وشكل هذا التشاور الأولي بممثلي أقطاب المعارضة المتشددة، أول محطة سياسية عملية في مسار التحضير للحوار الوطني المرتقب، الذي يُنظر إليه باعتباره فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي الموريتاني ومعالجة ملفات ظلت عالقة لسنوات.

وحسب معلومات رشحت من هذا التشاور، فقد اتسم اللقاء الذي حضره إلى جانب الرئيس، كل من الوزير الأمين العام لرئاسة الجمهورية والوزير المكلف بالديوان الرئاسي، بطابع صريح ومباشر، ودار في أجواء عكست حجم التباينات بين الطرفين، كما كشفت في الوقت ذاته عن استعداد مبدئي لمواصلة النقاش والانخراط في مسار حواري.
وركز ممثلو المعارضة في مداخلاتهم على ضرورة اتخاذ خطوات تمهيدية ملموسة قبل الدخول في الحوار، مؤكدين أن بناء الثقة بين مختلف مكونات المشهد السياسي يمثل شرطًا أساسيا لإنجاح أي مسار توافقي.

إطلاق سراح النشطاء الموقوفين

وشددوا على أهمية إطلاق سراح النشطاء الموقوفين، وفتح الإعلام العمومي أمام جميع القوى السياسية، معتبرين أن غياب هذه الإجراءات سيجعل الحوار شكليا، ويحد من قدرته على إنتاج مخرجات تحظى بالإجماع.
كما أثار ممثلو المعارضة تساؤلات حول مواقف بعض أعضاء الحكومة من الحوار، معتبرين أن سلوكهم لا يعكس رغبة حقيقية في تنظيمه، ومتسائلين عن فرص نجاح الحوار في ظل ما وصفوه بوجود ممانعة داخل الجهاز التنفيذي.
ومن بين أبرز القضايا التي طُرحت خلال اللقاء، الانتقادات الموجهة إلى قانون الأحزاب السياسية الجديد، حيث اعتبر ممثلو المعارضة أنه ضيّق من هامش الحريات السياسية، وقيّد الحق في التنظيم، وهو ما يرونه متعارضًا مع الضمانات الدستورية.
وفي السياق ذاته، أشاروا إلى وجود أحزاب سياسية استكملت إجراءات الترخيص وفق القانون الجديد، دون أن تحصل على اعتمادها الرسمي حتى الآن، مطالبين بتوضيح هذا الملف ومعالجته. وتوقف ممثلو المعارضة عند ما وصفوه بتداول خطاب داخل أوساط موالية للرئيس، يتحدث عن مأمورية رئاسية ثالثة، معتبرين أن هذا الطرح يربك المشهد السياسي ويفتح الباب أمام توترات مبكرة، وداعين الرئيس إلى وضع حد لمثل هذه النقاشات.
كما تناولت المداخلات الأوضاع العامة في البلاد، لا سيما الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، حيث أكد ممثلو المعارضة الحاجة إلى إجراءات عميقة وسريعة لمعالجة الاختلالات القائمة، وتحقيق عدالة أكبر في توزيع الثروات، والتخفيف من الأعباء على الفئات الهشة والضعيفة، معتبرين أن الحوار السياسي يجب أن يفضي إلى إصلاحات تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
وفي رده على هذه المداخلات، شدد الرئيس محمد ولد الغزواني على أن الحوار المرتقب يتعلق بمصالح البلاد ومستقبلها، كما يتجاوز الأنظمة والحكومات والأشخاص، ولا ينبغي ربطه بمصالح حزبية أو شخصية.
وأكد أن إنجاح الحوار يتطلب تبني روح وطنية جامعة، واستعدادًا جماعيًا لتقديم تنازلات، مشيرًا إلى أن الإجراءات والخطوات غير التقليدية التي يطالب بها البعض لن تكون ممكنة دون هذه الروح.
وجدد الرئيس التأكيد على أن الهدف من الحوار هو التوصل إلى إصلاح شامل ودائم يخدم الشعب الموريتاني، ويتعالى على المصالح الضيقة.
ورفض ولد الغزواني تحديد مدة زمنية للحوار، معتبرا أن ذلك يشكل استباقًا لمساره، مكتفيًا بالتأكيد على رغبته في أن يجري بسرعة وفي أجواء إيجابية، دون الالتزام بسقف زمني محدد.

جلسة تحضيرية لانطلاقة الحوار

وأوضح أن جلسة التشاور المقررة الخميس بحضور ممثلين لطرفي المولاة والمعارضة، ستكون جلسة تحضيرية لانطلاقة الحوار، وليست ضمن جلساته التفصيلية، معربًا عن رغبته في حضور جميع الأطراف السياسية.
وأكد رئيس حزب موريتانيا إلى الأمام، الدكتور نور الدين محمدو، خلال بث مباشر خاص بتقييم اللقاء، أنه دعا خلال اللقاء الذي جمع قادة قطب المعارضة بالرئيس محمد ولد الغزواني إلى نفض الغبار عن الجمهورية وإصلاح الديمقراطية، معربًا عن أمله في أن يتبع حديث رئيس الجمهورية بفعل مباشر يعود بالنفع على موريتانيا.
وأشار ولد محمدو إلى أن اللقاء، الذي دام نحو ساعة ونصف، جرى في أجواء وصفها بالإيجابية، حيث منحهم الرئيس الوقت والأريحية الكاملة للحديث، وتم النقاش بشكل جماعي دون أي حديث فردي، وتمكنوا من التعبير عن مواقفهم بالطريقة التي أرادوها.
وبيّن رئيس حزب موريتانيا إلى الأمام، أن قادة قطب المعارضة شددوا خلال اللقاء على رفضهم لأي حوار يمكن أن يمسّ المكتسبات الوطنية المتراكمة أو المواد الدستورية المحصّنة، مطالبين بوجود ضمانات واضحة تحمي تلك الثوابت.
وأضاف أنهم طالبوا كذلك باتخاذ إجراءات لفتح الإعلام العمومي أمام مختلف أطياف المعارضة، مؤكدين أن أي حوار لا يخرج عن المألوف، ولا يتضمن إجراءات واضحة وسريعة تُترجم الأقوال إلى أفعال، ولا يقطع مع الأسباب التي أدت إلى فشل الحوارات السابقة، فإنهم لا يرغبون فيه.
كما ذكر ولد محمدو أن قادة المعارضة طالبوا الرئيس بإطلاق سراح رئيس منظمة الشفافية الشاملة محمد ولد غده، إلى جانب آخرين، خصوصًا من السياسيين والمتابعين على خلفية الحديث عن قضايا الفساد.
ونقل ولد محمدو عن الرئيس محمد ولد الغزواني تأكيده المضي قدمًا في خيار الحوار، مشددًا على أنه لا يتم من أجله شخصيًا ولا من أجل الموالاة، ولا يستهدف المساس بالمكتسبات الوطنية، مع تأكيد حسن النية فيه، وتفهمه لتخوف بعض الأطراف من دعوة النظام للحوار، وتعهدِه بعدم التدخل فيه إلا تدخّلًا إيجابيًا.
ويأتي هذا اللقاء في سياق سياسي مثقل بتجارب حوار سابقة لم تُفضِ، في نظر قوى معارضة عديدة، إلى تحولات بنيوية في قواعد اللعبة السياسية.؛ فقد شهدت موريتانيا خلال العقود الماضية عدة حوارات وطنية، انتهى بعضها بتفاهمات جزئية، بينما تعثر بعضها الآخر بسبب ضعف الثقة، أو غياب آليات التنفيذ، أو هيمنة الحسابات السياسية الضيقة
وبين تأكيد الرئاسة على الانفتاح والاستعداد للإصغاء، وتمسّك قوى المعارضة بمطالب وُصفت بالجذرية، من «نفض الغبار عن الجمهورية» إلى إصلاح قواعد اللعبة الديمقراطية وضمان استقلال المؤسسات، يقف هذا اللقاء عند تخوم اختبار حقيقي للنيات، فنجاح الحوار لا يُقاس بكثرة الاجتماعات أو حسن النوايا المعلنة، بقدر ما سيُقاس بقدرته على التحول إلى مسار واضح المعالم، بآجال وضمانات، يُعيد الاعتبار للممارسة الديمقراطية ويُبدّد الشكوك المتراكمة.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات