أخبار عاجلة

المجلس الأعلى للدولة الليبية يرفض تحميله مسؤولية التصعيد ويتمسك بصلاحياته الدستورية

 يواصل ملف إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات فرض نفسه على المشهد السياسي الليبي، وسط تصعيد متبادل بين المجلسين الأعلى للدولة والنواب، وتدخل أممي أثار بدوره جدلًا واسعًا حول حدود الدور الدولي في إدارة الخلافات السيادية، في أزمة تتداخل فيها الاعتبارات القانونية بالدستورية، وتكشف مجددًا هشاشة التوافق السياسي القائم منذ سنوات.
في أحدث فصول هذا الجدل، انتقد المجلس الأعلى للدولة في بيان رسمي موقف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا من جلسة إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، رافضًا ما وصفه بـ»التوصيفات غير الدقيقة» التي توحي، بحسب البيان، بتحميل المجلس مسؤولية التصعيد السياسي القائم، وأكد المجلس احترامه لدور البعثة في دعم المسار السياسي، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الاختصاصات السيادية الممنوحة للمؤسسات الليبية بموجب الإعلان الدستوري لا يجوز تجاوزها أو القفز عليها تحت أي ذريعة.
وأوضح المجلس أن قراره بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية يندرج ضمن اختصاصاته الأصيلة، ويهدف إلى تصحيح وضع اعتبره مختلًا، بما يضمن استقلالية المفوضية ويجنبها التجاذبات السياسية، مؤكدًا أن الخطوة لا تمثل إجراءً أحاديًا أو مدخلًا للتصعيد كما ورد في بيان البعثة، بل تأتي في إطار صلاحيات قانونية واضحة، تستند إلى الاتفاقات السياسية المنظمة للعلاقة بين المجلسين.
وأشار البيان إلى ما اعتبره مفارقة في تعامل البعثة، موضحًا أن مجلس النواب أقدم في وقت سابق على إجراء مماثل دون أن يصدر عن البعثة أي موقف معلن، وهو ما اعتبره المجلس ازدواجية في المعايير، من شأنها تقويض الثقة في حيادية الدور الأممي، وإثارة الشكوك حول طبيعة المقاربة المعتمدة في إدارة الخلافات السياسية الليبية.
ودعا المجلس الأعلى للدولة البعثة الأممية إلى مواصلة أداء دورها كمسهل محايد للحوار، مع احترام مبدأ الملكية الوطنية وعدم الانحياز لطرف على حساب آخر، مجددًا التزامه بإنجاز الاستحقاقات الانتخابية في إطار دستوري وقانوني توافقي، يضمن نزاهة العملية الانتخابية وقبول نتائجها من مختلف الأطراف.
في المقابل، كانت بعثة الأمم المتحدة قد أعربت عن قلقها إزاء ما وصفته بارتفاع وتيرة التصعيد بين مجلسي النواب والأعلى للدولة بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، معتبرة أن انخراط الطرفين في دوامة من الإجراءات المتبادلة قد يفتح فصلًا جديدًا من الخلاف والانقسام المؤسسي، ويؤثر سلبًا على عمل المفوضية ومستقبل العملية الانتخابية.
ودعت البعثة المجلسين إلى وقف جميع الإجراءات الأحادية، محمّلة إياهما مسؤولية أي انقسام قد ينعكس على أداء المفوضية، في موقف فُسّر على نطاق واسع باعتباره ضغطًا سياسيًا مباشرًا لإجبار الطرفين على التراجع عن قراراتهما الأخيرة، أو الدخول في مسار تفاوضي جديد تحت رعاية أممية.
وجاء هذا التصعيد عقب تصويت المجلس الأعلى للدولة، خلال جلسة رسمية، على اختيار صلاح الكميشي رئيسًا لمجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بعد جولة انتخابية ثانية حسمت النتائج لصالحه بـ63 صوتًا مقابل 33 صوتًا لمنافسه، من أصل 103 أعضاء شاركوا في التصويت من بين 107 حضروا الجلسة، في خطوة اعتبرها المجلس استكمالًا لهياكل المفوضية وفق الاتفاقات السياسية السابقة.
ووفق ما جرى تداوله، يشغل الكميشي منصب مدير إدارة العمليات بالمفوضية، وسبق له تولي إدارة مكتب التخطيط والمتابعة، ما اعتبره داعموه عنصر خبرة إدارية وفنية يؤهله لقيادة مجلس الإدارة في مرحلة دقيقة، تتطلب إعادة بناء الثقة في المؤسسة الانتخابية.
وأعلن رئيس مجلس النواب رفضه القاطع لتغيير رئيس المفوضية الحالي، معتبرًا أن الخطوة لا مبرر لها، وأن رئيس وأعضاء مجلس المفوضية يتمتعون بخبرة كافية في إدارة العملية الانتخابية، مشيرًا إلى نجاح المفوضية في تنظيم الانتخابات البلدية خلال العام الماضي، ومؤكدًا أن أي مساس باستقرارها قد يهدد فرص إجراء الانتخابات المقبلة.
كما ربط رئيس مجلس النواب الأزمة الحالية بتعثر تنفيذ اتفاق بوزنيقة، معتبرًا أن الاتفاق جرى تعطيله رغم التنازلات التي قدمها المجلس، ومشيرًا إلى ما وصفه بخطوات اتخذت سابقًا من أجل مصلحة البلاد، مؤكدًا أن تنفيذ الاتفاق يجب أن يكون كاملًا أو الإبقاء على المؤسسات الموحدة الحالية إلى حين تجاوز المرحلة الراهنة.
وفي خلفية هذا المشهد، أعادت المبعوثة الأممية التذكير بما ورد في إحاطتها السابقة أمام مجلس الأمن، والتي لوّحت فيها بإمكانية طرح آلية بديلة في حال فشل المجلسين في التوصل إلى توافق حول استحقاقات خريطة الطريق السياسية، وهو ما فُهم على أنه تصعيد أممي محتمل في حال استمرار حالة الجمود والانقسام.
وتزامن ذلك مع انتقادات صريحة من عدد من أعضاء المجلس الأعلى للدولة لبيان البعثة، حيث اعتبروا أنه يمثل تدخلًا غير مقبول في شأن سيادي، ويتجاهل قرارات أحادية سابقة صدرت عن مجلس النواب دون اعتراض أممي، مؤكدين أن هذا النهج يعمّق الأزمة بدلًا من حلها، ويغذي حالة الاستقطاب السياسي بين المؤسستين.
وأكد المنتقدون أن دور البعثة يجب أن يقتصر على تقريب وجهات النظر والعمل الدبلوماسي لتسهيل الحوار، لا فرض الوصاية أو الانحياز لطرف دون آخر، محذرين من أن استمرار هذا المسار قد يفضي إلى تقويض ما تبقى من الثقة في العملية السياسية برمتها.

اضف تليق

Leave this empty:

شارك

تعليقات الزوار

لا تعليقات