أثار تنفيذ أحكام بالإعدام رميا بالرصاص بحق عشرة أشخاص في شرق ليبيا موجة من الإدانات السياسية والحقوقية، وسط تشكيك واسع في قانونية محاكمة مدنيين أمام القضاء العسكري، ومطالبات بالكشف عن أسماء الذين أعدموا وتفاصيل محاكماتهم، فيما حذرت منظمات حقوقية من احتمال تنفيذ أحكام أخرى بحق محتجزين خلال الأيام المقبلة.
وكان مكتب المدعي العام العسكري التابع لـ»القيادة العامة» قد أعلن تنفيذ أحكام الإعدام بحق عشرة مدانين قال إنهم ارتكبوا «جرائم إرهابية»، موضحا أن الأحكام صدرت عن المحكمة العسكرية العليا بعد مداولات استمرت سنوات.
وقال المكتب إن التهم تراوحت بين الانتساب إلى تنظيمات وصفها بـ»الإرهابية المحظورة» وارتكاب عمليات اغتيال بحق عسكريين ومدنيين، مؤكدا أن إجراءات الادعاء والدفاع استوفيت وأن الأحكام أصبحت نهائية وباتة قبل تنفيذها، وأن العملية جرت وفقا للتشريعات الليبية النافذة
لكن الإعلان فتح بابا واسعا للجدل بشأن هوية المحكوم عليهم وطبيعة القضاء الذي حاكمهم، ولا سيما في ظل تأكيد منظمات حقوقية ومحامين أن من جرى إعدامهم مدنيون، وأن محاكمتهم أمام القضاء العسكري تتعارض مع حكم سابق للمحكمة العليا الليبية بشأن عدم دستورية محاكمة المدنيين عسكريا.
وفي أول رد سياسي بارز، أعرب المجلس الأعلى للدولة عن «قلقه البالغ» إزاء تنفيذ الإعدامات، مؤكدا أن مكافحة الإرهاب والجريمة واجب وطني وأن من تثبت مسؤوليته عن جرائم يجب أن ينال جزاءه وفقا للقانون، لكنه شدد على أن مكافحة الإرهاب لا يمكن أن تكون بديلا عن القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.
وأكد المجلس أن إنفاذ العقوبات يجب أن يتم حصرا عن طريق سلطة قضائية مختصة، وفي إطار إجراءات تستوفي الضمانات التي يكفلها القانون، موضحا أن موقفه لا يتعلق بالدفاع عن متهمين أو تبرئة مدانين، وإنما بحق الدولة الحصري في العقاب وحق كل مواطن في محاكمة عادلة.
وطالب المجلس بالكشف رسميا عن أسماء الأشخاص الذين نُفذت بحقهم الأحكام والجهات القضائية التي أصدرتها، مع توضيح مراحل التقاضي وطرق الطعن التي استنفدت، كما دعا إلى تمكين الجهات القضائية الوطنية من التحقق من سلامة الإجراءات التي سبقت التنفيذ ومدى قانونية الجهة المنفذة.
وحذر كذلك من تنفيذ أي أحكام أخرى قبل التحقق الكامل من استيفاء الإجراءات القضائية والقانونية، مطالبا بضمان سلامة جميع المحكوم عليهم والمحتجزين في قضايا مماثلة، وداعيا النيابة العامة والجهات القضائية المختصة إلى التدخل.
وفي السياق نفسه، وجه المجلس دعوة إلى بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والجهات الدولية المعنية لمتابعة ملف الاحتجاز وضمانات المحاكمة العادلة، في ظل تصاعد المخاوف من امتداد عمليات الإعدام إلى محتجزين آخرين.
من جانبها، قالت منظمة التضامن لحقوق الإنسان إن الأجهزة العسكرية التابعة لخليفة حفتر أعدمت عشرة محتجزين رميا بالرصاص، مؤكدة أنها تمكنت من تحديد هوية تسعة منهم.
وبحسب المنظمة، فإن ثلاثة من الذين أعدموا كانوا محتجزين في سجن الكويفية، وهم من معلمي القرآن الذين قالت إنهم اختطفوا عام 2014، فيما كان ستة آخرون محتجزين في سجن قرنادة وينحدرون من مدينة درنة، وقالت إنهم سبق أن شاركوا في القتال ضد تنظيم «داعش»، بينما بقيت هوية الشخص العاشر غير معروفة.
وأكدت المنظمة أن الأشخاص الذين أعدموا مدنيون وليسوا عناصر إرهابية، متهمة السلطات بإخضاعهم لمحاكمات سرية أمام محاكم عسكرية تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة.
واستندت المنظمة إلى حكم المحكمة العليا الليبية بشأن عدم دستورية محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، معتبرة أن تنفيذ الأحكام بهذه الصورة يمثل قتلا خارج نطاق القضاء، وطالبت حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي والنائب العام بالتدخل وفتح تحقيق في الواقعة.
كما حذرت المنظمة من خطر يهدد محتجزين آخرين، وقالت إنها تلقت معلومات عن احتمال إعدام عشرة أشخاص آخرين الخميس المقبل، فضلا عن وجود نحو تسعين مدنيا قالت إنهم مهددون بالمصير نفسه، وهي معلومات لم يصدر بشأنها حتى الآن توضيح من السلطات في شرق ليبيا.
وأدانت منظمة «سجين» الحقوقية بدورها إعدام عشرة معتقلين قالت إنهم مدنيون، بينهم سبعة من درنة وثلاثة من بنغازي، واتهمت سلطات الشرق بتنفيذ أحكام صادرة عن محاكم عسكرية تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة، كما تحدثت عن منع عائلات الضحايا من إقامة مراسم العزاء، مطالبة بوقف أي إعدامات جديدة وفتح تحقيق مستقل.
وعلى المستوى القانوني، قال وكيل النيابة بمكتب النائب العام أسامة السائح إنه سبق أن تقدم قبل أكثر من عامين، رفقة عدد من المحامين، بطعن بشأن عدم دستورية القانون رقم 4 لسنة 2017 المتعلق بتعديل قانوني العقوبات والإجراءات العسكرية، والذي كان يجيز محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري.
وأوضح أن الدائرة الدستورية استجابت لأسباب الطعن وقضت بعدم دستورية القانون، وهو ما كان يقتضي، بحسب قوله، إحالة ملفات المدنيين المنظورة أمام المحاكم والنيابات العسكرية إلى القضاء المدني.
ووصف السائح إعدام مدنيين بعد إدانتهم أمام القضاء العسكري، إذا ثبتت تفاصيل الواقعة، بأنه «كارثة قانونية وجريمة لا تغتفر»، مؤكدا أنه مهما كانت الجرائم المنسوبة إليهم فلا يجوز حرمانهم من الحياة إلا بعد مثولهم أمام محكمة مدنية وضمان حقوق الدفاع واستنفاد جميع طرق الطعن.
أما رئيس منظمة «سجين» رمضان بن موسى فوجه انتقادات حادة إلى القاضي الذي قال إنه أشرف على تنفيذ الأحكام، معتبرا أن الواقعة تعكس استمرار صراع سياسي وعسكري ممتد منذ أحداث ما بعد عام 2011.
وذهب الناشط الحقوقي طارق لملوم إلى أبعد من ذلك، معتبرا أن الإعدامات، إذا صحت المعلومات المتداولة بشأنها، قد تكون محاولة لـ»إخفاء الأدلة وتقليص دائرة الشهود» على انتهاكات ارتكبت في بنغازي منذ عام 2014، مطالبا حكومة شرق ليبيا و»القيادة العامة» بكشف أسماء الذين أعدموا وأماكن احتجازهم والأحكام والإجراءات التي استند إليها التنفيذ.
كما انتقد أمين عام دار الإفتاء الليبية الشيخ سامي الساعدي القضاء العسكري التابع لحفتر، معتبرا أنه يجمع بين صفتي الخصم والحكم، فيما قال المحامي والناشط الحقوقي فيصل الشريف إن مدنيين أعدموا دون الكشف عن محاكمات مدنية لهم أو عن هوية المحامين الذين تولوا الدفاع عنهم.
وتضع هذه التطورات ملف القضاء العسكري في شرق ليبيا مجددا تحت الضوء، فيما يتسع الجدل من واقعة إعدام الأشخاص العشرة إلى أسئلة أكثر خطورة بشأن مصير عشرات المحتجزين الآخرين، ومدى الالتزام بأحكام المحكمة العليا وضمانات المحاكمة العادلة، وسط مطالبات متزايدة بتدخل القضاء المدني والنيابة العامة لوقف أي تنفيذ جديد إلى حين التحقق من قانونية الأحكام والإجراءات التي سبقتها.
إعدام عشرة مدنيين في شرق ليبيا يفجر أزمة قانونية وحقوقية

تعليقات الزوار
لا تعليقات